إلى حدود وقت غير طويل، فإن موضوع تغييرات المناخ ظل مسألة نظرية يتم التباحث في شأنها من دون أن يلمس الجميع وبنفس الحدة والوعي أهمية مجابهة تغييرات المناخ والانتباه إلى تغير المناخ.
من المهم الاعتراف بأنَّ غالبية الدول إنَّما تتعاطى في سياقات مختلفة مع هذا الموضوع المطروح على طاولة العالم من 27 عاماً بوصفه موضوع ترف علمي لا موضوعا حارقا وجديا. وكما نرى فإنَّ ارتفاع الحرارة في كوكب الأرض قد أثر على حياة السكان، وأصبح يمثل تهديدا حقيقيا على حياتهم. فارتفاع الحرارة يتسبب في الحرائق التي تهدد الغابات وتأتي على مساحات كبيرة، والجميع يعلم دور الغابات في المحافظة على الحياة في البر وعلى تنقية الهواء أي على التنفس والحياة. كما أن نشوب الحرائق يعني تضرر الأرواح والأجساد والممتلكات، ما يجعل الناس ضحايا الحرائق عرضة للهشاشة ولفقدان ما لديهم.
أيضا ارتفاع الحرارة يؤثر على الماء ويجعل الأرض أكثر جفافا، وعندما نتحدث عن الماء فإننا نتحدث آليا عن تداعيات النقص في الماء على الفلاحة والزراعة والغذاء، ومن ثمة أثر الجفاف على وقوع الناس أكثر فأكثر في الفقر والجوع.
لقد كان الكلام على تغييرات المناخ بالنسبة إلى الكثيرين كلاماً دون طعم أو رائحة أو لون. ولكن حاليا أغلب الظن أن العالم أصبح يدرك جيدا ما معنى تغييرات المناخ: حوادث الحرائق والفيضانات والارتفاع المهول لدرجات الحرارة والجفاف وقلة الأمطار... كلها مكنت الناس من الفهم بالقوة ما معنى تغييرات المناخ.
إذن الأمر كارثي بامتياز ولا ينفع معه إلا الاستنفار بالسياسات والتمويلات من أجل التخفيف من تداعيات تغيرات المناخ، والعمل على إيقاف ما يؤدي إلى تفاقم هذه التغييرات على نحو تصاعدي.
طبعا ليس خافياً أن تغييرات المناخ كشرت عن أنيابها في لحظة دوليّة صعبة وعلى إثر ما عرفته الإنسانية بسبب تداعيات جائحة الكورونا. إضافة إلى أن غالبية الدول اليوم مشغولة بكيفية تأمين الحبوب والطاقة لتأمين الحاجيات اليومية العاجلة. وهو أمر يجعل من إيلاء تغييرات المناخ الاهتمام والآليات اللازمة أمراً صعباً للغاية.
يمكن القول إن العالم دخل مرحلة الحلقة المفرغة: معالجة تغييرات المناخ وفي نفس الوقت تعميق تغييرات المناخ. لذلك فإن من اللازم إيجاد الوسائل لتحقيق الهدف المنشود من دون الإضرار بأحد.
ولعل مسألة تحديد المسؤوليات من أوكد النقاط الجديرة بالاشتغال عليها أمميا لكونها مهمة في تحديد الوسائل المتاحة لإنجاز ما هو مطلوب، ولكن هذا يتطلب أولويات معينة. وهذا يعد من المواضيع التي لا تطرح بشكل صريح ومسؤول. ذلك أن تناول تغييرات المناخ في معزل عن القائمين بالأنشطة التي تسببت في تغييرات المناخ يجعل من التناول منقوصاً، وهو ما يتطلب مقاربة المسألة اليوم بأكثر مصداقية حتى نضمن الالتفاف الجدي حول هذه القضية التي أصبحت فعلا تهدد الحياة في كوكب الأرض.في مقابل ذلك هناك نقاط ضوء تتمثل في الربط الذي قامت به الخطة الأممية للتنمية المستدامة مع الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والمحافظة على النوع وإدارة الغابات والمدن القائمة على الطاقات المتجددة. ففي مثل هذا التصور تكمن حلول عدة للإنسانية.
لا شك في أن الطاقات المتجددة وتغيير نمط الاستهلاك في اتجاه الطاقة البديلة يشترطان بدورهما تمويلات ضخمة، سواء في البحوث أو في التجهيزات، الشيء يجعل من مسألة التمويل حاضرة بقوة في شتى الحلول والتصورات التي تنتهجها الشعوب التي ترنو إلى التأقلم مع تغييرات المناخ.
إننا هنا نتحدث بشكل غير مباشر ومباشر عن ثمن الصمود أمام تغييرات المناخ: فالثمن ندفعه من حياتنا عندما ندير ظهرنا لتداعيات تغييرات المناخ وندفع ثمنا آخر من جيوبنا عندما نقرر مواجهة تغييرات المناخ والانخراط في العمل على تطويق التداعيات والتأثيرات. مع العلم أن خصوصية تأثيرات المناخ تجعل الثمن يدفعه الجميع حتى وإن كان المتسبب شخصاً واحداً فقط.
نعتقد أن كوكب الأرض أيضا في لحظة حاسمة، إذ إن المناخ يمس كل شيء، فهو يحدد طباع الشعوب وأمزجتها وفلاحتها وفقرها، وثراءها، وتبعيتها، وسيادتها. أما تغييرات المناخ فكل ما تحدده سلبي ومؤذٍ للحياة والسكان في كوكب الأرض.













التعليقات