أمام دول مجلس التعاون الكثير من التهديدات والتحديات لتحقيق حلم«الاتحاد الخليجي» الذي طرح ابان أزمة الربيع العربي في ديسمبر 2011، وسيظل حلمًا جميلاً يبحث عن نفسه رغم كل ما واجه دول المجلس منذ استقلالها في سبعينيات القرن الماضي من تحديات واستطاعت تجاوزها والاستمرار في بناء حضارتها وتطورها الملفت للنظر، كما واجهت في عام 2012 تحديًا داخليًا وخارجيًا كبيرًا استطاع أن يطيح بأنظمة عربية عميقة الجذور في النظام العربي المهلهل، إلا أن دول المجلس استطاعت ان تمضي في طريقها بقوة نحو مزيدٍ من الانجازات رغم الصور التآمرية التي تعرضت لها من اشقاء واصدقاء وحلفاء.

لقد ساعدت حالة عدم الاستقرار الداخلي وتنامي التهديدات غير التقليدية مثل الازمات الاقتصادية بسبب تذبذب اسعار النفط والتغييرات المناخية والشح المائي والمشاكل الحدودية، على وجود حالة من القلق والشك في العلاقات مع دول الجوار الإقليمي، وإذا أضفنا إلى ذلك الأنشطة الإرهابية وجماعات الإجرام العابرة للحدود، وأزمات عدة تمر بها عدد من الدول العربية وفي مقدمتها لبنان والعراق وسوريا واليمن، واستمرار التهديد الإيراني، وانتشار نماذج الدول الفاشلة بالإقليم وتمدد التنظيمات الجهادية المسلحة، نكتشف بأن المصلحة الدولية اقتضت ما يمكن تسميته سياسة (الهدنة المؤقته) بعد فشل الربيع العربي في تحقيق أهدافه بدول مجلس التعاون التي تمتلك مخزونًا هائلاً من الطاقة التي يحتاجها العالم واستمرار تدفقها عبر خطوط الملاحة الدولية من الخليج العربي إلى أعالي البحار.

لذلك تدعو تلك التطورات الخطيرة التي مرت بها دول مجلس التعاون والتطورات المتوقعة، الى اهمية النظر بجدية والمراجعة الشاملة لتلك التطورات والتعامل معها ومع كافة التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية والاقليمية المتفاوتة في درجة تهديدها وحدة خطورتها، منها ما يعزى إلى أسباب ترجع لفترات طويلة سابقة، وبعضها يعتبر حديثًا نسبيًا بسبب التغيرات التي مرت بها المنطقة في السنوات الأخيرة، والتي شهدت موجات متعددة، وصعود للتيارات الإسلامية إلى سدة الحكم ثم سقوطها في مصر على سبيل المثال، إضافة إلى الأزمات التي تمر بها عدد من الدول العربية مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق، ولها أكبر الأثر على امن واستقرار دول مجلس التعاون.

ولكي أكون أكثر وضوحًا فإن أمام دول مجلس التعاون عدد من التحديات التي تتطلب حلولاً عاجلة:

أولاً: مشاكل الحدود: وهي متعددة بين دول المجلس، فقد تم التوصل الي حلٍ لبعضها، والبعض الآخر لم يزل معلقًا ينتظر الحل الثنائي والذي يتطلب تحركًا ينهى آخر ما يعيق مسيرة المجلس المباركة ويعزز العمل الخليحي المشترك والتكامل على كافة القطاعات.

ثانيًا: قضايا حقوق الإنسان: وإغلاق ملفاتها في مجالس حقوق الإنسان الدولية والنظر في مزيد من المشاركة الشعبية والشفافية في انتخابات المؤسسات النيابية وإعطاء الفرصة للمشاركة النيابية الشعبية والقيام بدورها الرقابي الصحيح تحت قبة المجالس النيابية.

ثالثًا: التهديدات الإرهابية: التي تتطلب التنسيق الخليجي فيما بينها والدول الكبرى في مواجهة التهديدات الإرهابية بالمنطقة، التي تعتبر من أكبر التهديدات لدول مجلس التعاون وتعرضت لها عددًا من دول المجلس مثل السعودية والكويت والبحرين خاصة إرهاب الدولة. وعلى الرغم من أن هناك جملة من الأسباب التي تفسر هذا التصاعد الارهابي، إلا أن دور العامل الخارجي يعتبر هذه المرة مصدرًا لهذه للتهديدات، حيث تلعب التنظيمات الإرهابية مثل«داعش» و«تنظيم القاعدة» في شبه جزيرة العرب وقيام بعض الأطراف الإقليمية خاصة إيران، وجماعات موالية لها، بالتدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول المجلس من خلال تقديم الدعم المالي واللوجستي لبعض القوى التي تمارس الإرهاب في دول مجلس التعاون حسب الظروف والتطورات التي تجري في المنطقة خاصة السياسة والاقتصادية منها.

رابعًا: التغييرات المناخية والبيئية: وهي مشاكل تتطلب تتسيقًا خليجيًا موحدًا خاصة تلك التي لها تأثيرات مباشرة على المجتمعات الخليجية مثل التغييرات المناخية وقلة الموارد المائية والأمراض الوبائية والاختراقات الحدودية والتدخلات الدولية المتعمدة حول العمالة الأجنبية الوافدة التي تحتاج إلى تطوير اقترابات أمنية خليجية جديدة في التعامل مع هذه النوعية من التهديدات، لاسيما أن التغييرات المناخية أصبحت تهديدًا ملحًا تتطلب التصرف السريع حيالها، خاصة وأنها تعرض المجتمع الخليجي للعديد من الأزمات والبنية التحتيه الى الانهيار كارتفاع منسوب المياه في السنوات الخمس القادمة وانتشار الأوبئة وما تخلفه عادة من أضرارًا صحية واجتماعية ومخاطر اقتصادية.

خامسًا: التمدد والتهديدات الإيرانية: ويعتبر من أخطر ما يواجه مجلس التعاون، وأن كانت اوضاع اليوم توضح بأن هناك تطورات مريحة على صعيد العلاقات الثنائية بين السعودية وايران. إلا أن إيران - على ما أعتقد - سوف تستمر في استغلال المظلومية وفي مزاعمها بالدفاع عن المواطنين الشيعة من مواطني دول مجلس التعاون لإذكاء الصراع الطائفي، وهو ما ينعكس على مستقبل منطقة الخليج. حيث إن التأجيج الطائفي يعتبر من أكثر أدوات إيران لتحقيق اهداف الخميني في نشر مبادئه التي نص عليها الدستور الايراني الى كافة الدول العربية، والتي يرجح لها أن تتصاعد إذا لم يوجد لها حل جذري، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي تؤكد وصول ايران إلى انتاج القنبلة النووية التي تعني دخول ايران النادي النووي كقوة إقليمية معترف بها دوليًا وفي اطار توافق امريكي ايراني لاعادة ترتيب الاقليم. وهذا بلا أدنى شك يشكل تهديدًا خطيرًا لكيانات دول المجلس ولموازين القوة في منطقة الشرق الاوسط في ظل غياب نظام الامن العربي الذي انهارت ركائزه وقوته بعد الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990.

سادسا: الدور الامريكي: الذي يعتبر من الامور المهمة التي تستحق مزيدا من المصارحة نظرا لدوره المهم وعلاقته التاريخيه بدول مجلس التعاون خاصة بعد الحادث الارهابي الذي تعرض له برجي التجارة العالمي في نيويورك وظهور نظرية «الثورة الخلاقة» لانهاء الانظمة العربية والخليجية القائمة واستغلال احداث «الربيع العربي» لتحقيق هذا الهدف الذي بدأ قويا في البحرين، خصوصاً الموقف الامريكي من الاحداث التي مرت بها البحرين والدعم الذي حصلت علية من الرئيس اوباما من على منصة الجمعية العامة للامم المتحدة في عامين متتاليين، وكذلك التحركات والاتصالات التي قامت بها السيدة هيلري كلنتون وزيرة الخارجية والتي تهدد امن واستقرار البحرين.

مما لا شك فيه ان الموقف الامريكي كانت له تبعات سلبية على بقية دول المجلس التي وجدت انه من الضروري الوقوف مع البحرين لمواجهة هذه التطورات الخطيرة، من خلال «صندوق الدعم المالي» لدعم البحرين وعمان ودخول قوات درع الجزيرة لحماية المنشآت الحيوية في البحرين، خاصة وان الموقف الامريكي عمل للوصول الى تفاهمات إقليمية مع ايران، في وقت بدأت تتهيأ فيه الولايات المتحدة للتراجع التدريجي من الشرق الأوسط والخليج العربي والتركيز على تواجدها في الشرق الاقصى بعد تزايد الخطر الصيني.

تلك تحديات قائمة أرى من الضروري مواجهتها وتخطيها اذا اردنا ان نصل الى «الحلم» الذي طال الزمن للوصول اليه.. وهناك افكار مهمة ومكملة لتحقيق «الحلم الكبير» تستحق الدراسة خاصة وانها ليست بالجديدة، لانها جاءت في الاوراق والرؤى التي قدمها اصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، وتضع حلولا واقعيةواساسية لمستقبل مجلس التعاون وتعزيز وجوده ومكانته وتمت الموافقة عليها في عدد من القمم الخليجية