عبده الأسمري
ما بين متون «البصائر» وشؤون «المصائر» نثر «عبير» التدريس ورسخ «تقدير» التعلم وسكب «مداد» العلم وسبك «حروف» التأليف ليملأ واحات «الشريعة» بأنفاس «الأُثر» ويبهج ساحات «المعرفة» بنفائس التأثير..
كان «المتوج» الحقيقي الذي عانق الاحتفاء على خطوط النهايات مباركاً لتلامذته ومشاركاً لطلابه مجللاً برداء «التواضع» ومكللاً بوفاء «الزاهد» موزعاً مآثر القدوة ببذح في اتجاهات «الاحتذاء».
حصد أولوية «العلا» من عمق «المصاعب» وحمل ألوية «العلم» في أفق «المنابر» فكان «المعلم الوجيه» و»المدرس الموجه» ووجه «الاحتساب» الذي رتب مواعيد «الاكتساب» على أسوار «الاجتهاد» وأوفى بوعود «الأمانة» في دوائر «السداد».
إنه الشيخ العلامة الدكتور عمر حسن فلاتة رحمه الله كبير المدرسين بالحرمين الشريفين وأحد أبرز علماء الشريعة.
بوجه دائري تسكنه «ومضات» الزهد وتعلوه «سكنات» الجد مع سحنة «سمراء» تتوارد منها علامات «الألفة» وسمات «التآلف» تتكامل مع أصول عائلته «الباذلة» في شأن الخير وتتماثل مع فصول أسرته «المتغربة» من أجل النفع ومحيا عامر بالتقى غامر بالتدين وعينان تسطعان بنظرات «الحكمة» وشخصية ودودة الجانب لطيفة القول أصيلة الفهم راقية التعامل سديدة الرأي وأناقة تعتمر «البياض» المسجوع بعطاء بصيرته ونقاء سريرته ومحاسن صفاته وكاريزما يتجلى وسطها ضياء الأدب وسخاء التهذيب وصفاء القلب ونقاء الضمير وصوت «جهوري» مشفوع بفصاحة مبهرة وحصافة «مسطرة» قوامها مخزون شرعي مبارك ومقامها مكنون علمي عميق وعبارات غنية بمحصول لغوي فاخر واعتبارات ثرية بحصاد فكري مميز قضى فلاتة من عمره «عقودا» وهو يملأ حلقات الدروس بكنوز «الشرح» ويهدي طلاب العلم خزائن «السنة» ويبهج اذان السامعين بفضائل «العلوم» ويضئ صفحات الكتب بجواهر «المعرفة».
في المدينة المنورة الممهورة بالقيمة الدينية والمقام التاريخي الدرة المضيئة بالمكارم والفضائل ولد عام 1364 في حي «الأغوات» الشهير المجاور للمسجد النبوي الشريف وتناقل سكان الأحياء والأزقة المجاورة مقدم «ضيف» جديد إلى أسرة فلاتة القادمة على «أجنحة» الترحال والمقيمة في «دوائر» الاستقرار.
تفتحت عيناه على أب كريم مكافح وأم صبورة عطوفة والتفت إلى اتجاهات «مضيئة» من التدين وأحيط بإطارات «ساطعة» من الالتزام وامتلأ وجدانه صغيراً بحكايات «الانتقال» إلى المدينة ومرويات «هجرة» المواسم والتي تناقلها كبار عائلته وأعيان قومه وأصداء «الامتزاج» بعوالم «الاستقرار» ومعالم «الاقتدار».
تعتقت نفسه برياحين «السكينة» في جنبات طيبة الطيبة وتشربت روحه مضامين «الروحانية» في ساحات الحرم المدني الشريف فنشأ منخطفاً إلى سر «التقوى» وعلانية «الحسنى» مولياً قبلة أمنياته شطر «الصالحات» متخذاً من «محراب» العبادة موطناً زرع فيه أحلامه ووضع فيه آماله فكبر وفي فؤاده «طهر المكان» وبين حناياه «طيب الزمان».
التحق الطفل «المديني» المشفوع بتربية «الصالحين» والمدفوع بتوجيه «الفالحين» في السادسة من عمره بحلقات تحفيظ القرآن الكريم في مكتب الشيخ عبدالحميد هيكل بالحرم النبوي، وفي كُتَّاب الشيخ جعفر فقيه واغترف من «مشارب» الفرقان سمو المنهج ورقي النهج وحلاوة «الإيمان» وطلاوة «الإحسان».
ثم انتقل بعدها لإكمال تعليمه العام حيث بدأ الدراسة في المدرسة الناصرية عام 1371هـ ثم انتقل إلى المدرسة الفيصلية عام 1373 وأكمل فيها الدراسة الابتدائية حتى عام 1376هـ وكان الشيخ محمد الفاضل الشِّنقيطي من أبرز معلميه في تلك الفترة.
التحق فلاتة بعدها بالمعهد العلمي السعودي لإكمال دراسته المتوسطة والثانوية حيث كانت على مرحلتين.. مرحلة متوسِّطة (الكفاءة) ثم المرحلة الثانوية وحصل على الشهادة الثانوية عام 1382هـ.
ولأنه مسكون بالعلا واصل دراسته الجامعية بكلِّية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرَّمة وحصل منها على درجة البكالوريوس عام 1386هـ وواصل دراساته العليا حتى نال درجة (الماجستير) من الكلية ذاتها عام 1392هـ وحضر مناقشته وزيرُ المعارف وعدد من الوزراء، وكان موضوع رسالته كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» للحافظ العلائي، تحقيق ودراسة وكان أول طالب ينال الماجستير في المملكة العربية السعودية.
وفي مرحلة جديدة تم ابتعاثه إلى مصر وحصل منها على درجة الدكتوراه من قسم السنة والحديث بكلية أصول الدين من جامعة الأزهر بالقاهرة عام 1397هـ في رسالة فريدة بعنوان «الوضع في الحديث النبوي الشريف».
عمل في بداياته في التدريس ثم عمل محاضرًا بكلية الشريعة بمكة المكرمة من 1390هـ إلى 1397هـ ثم تم تعيينه رئيسًا لقسم الشريعة من عام 1398 إلى عام 1400هـ
انتقل فلاتة بعدها للعمل في مسقط رأسه حيث تعين رئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية التربية فرع جامعة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة ثم وكيلًا للكلِّية من عام 1401 إلى 1402هـ ثم عميدًا للكلية من 1402 إلى 1405هـ.
ظل فلاتة محباً للعطاء ومبدعاً في مهامه ومبتكراً في منهجيته وفي عام 2005 تقاعد عن العمل في التعليم العالي وتعاقد مع المعهد العالي للأئمة والخطباء في جامعة طيبة، وشغل منصب عميد المعهد أول افتتاحه، ثم استمر فيه أستاذًا غير متفرغ وشارك في مناقشة العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات المملكة المختلفة.
تولى فلاتة التدريس في الحرمين الشريفين حيث بدأ في المسجد الحرام بمكة المكرمة من عام 1398 إلى 1400هـ وفي المسجد النبوي من عام 1401هـ حتى قبل وفاته وكانت له حلقة مستديمة مميزة يدرس فيها عدد من الطلاب المنتظمين معه يوميا بين صلاتي المغرب والعشاء وتخرج على يديه العشرات من الأئمة والخطباء والمتميزين من دول مختلفة.
قام الدكتور فلاتة بتدريس عدد من الكتب في الفقه والحديث والتوحيد والتفسير والسيرة وشارك في عدة برامج تلفزيونية وإذاعية وندوات ومؤتمرات في العالم العربي والإسلامي إضافة إلى أعماله الخيرية ونشاطاته المنبرية والاجتماعية وقدم العديد من الدورات في عدة دول.
لفلاتة العديد من المبادرات والأعمال الجليلة ومن أهمها إسلام أكثر من 1000 شخص على يديه في المدينة والمئات في مواقع أخرى.
وله عضويات في عدة هيئات وجمعيات وتطوع للعمل كمأذون شرعي محتسب لعقد الأنكحة وله أعمال بارزة في حل الخلافات والمنازعات، وتعاون مع رئاسة محاكم منطقة المدينة المنورة في قضايا الإرث ولأنه شغوف بالتأليف فقد أصدر العديد من الكتب والمجلدات في العلوم الدينية المختلفة.
انتقل الشيخ فلاتة إلى رحمة الله في المدينة المنورة صباح يوم الجمعة 12 رمضان عام 1445هـ وصُلي عليه في المسجد النبوي الشريف عقب صلاة الجمعة، ودفن في مقبرة البقيع.
وعزى في وفاته العديد من أصحاب السمو والمعالي ورئيس الشؤون الدينية للمسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس الذي قدم التعازي باسمه واسم أئمة ومؤذني وعلماء وخطباء ومدرسي الحرمين الشريفين، لأسرته وتناقلت العديد من وسائل الإعلام ووسائط الأنباء الخبر واصفة الراحل بالعالم الوقور الذي أفنى عمره في خدمة الإسلام والمسلمين..
الشيخ عمر حسن فلاتة.. الاسم الساطع في قوائم «الفضلاء» والرقم الصعب في مقامات «النبلاء» والقامة العلمية الذي أضاف إلى «أرصدة العلماء» أرقاماً انفرادية في مدارات النفع والشفع ومسارات النبل والفضل.
التعليقات