يساور معظم حكومات دول العالم قلقٌ متزايد خلال العقود الأخيرة والحالية إزاء تحوّلات ديموغرافية عميقة، كان من أبرزها انخفاض معدل الخصوبة في العديد من تلك الدول، سيما الدول المتقدمة والنامية على حدّ سواء.
ولم يَعد هذا القلق مقتصرًا على تراجع معدل الخصوبة بوصفه مجرد مؤشر إحصائي عابر، بل بات يُنظر إليه كظاهرة مركّبة تعكس تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة النطاق، مثل تغيّر أنماط الأسرة، وارتفاع مستويات التعليم، وتزايد مشاركة المرأة في سوق العمل، فضلًا عن الضغوط المعيشية المتصاعدة.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على النسيج المجتمعي، وما ينتج عنها من تسارع وتيرة الشيخوخة السكانية، وما يصاحب ذلك من ارتفاع ملحوظ في تكاليف الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على موازنات الدول. كما يتنامى التخوّف من اختلال الهرم الديموغرافي وانقلابه تدريجيًا، بحيث تصبح الفئات العمرية المتقدمة في السن القاعدة العريضة له، في مقابل تراجع الفئات الشابة القادرة على العمل والإنتاج، ما يؤدي إلى اتساع أعباء شبكات الحماية الاجتماعية وارتفاع كلفتها، ويطرح تحديات جوهرية أمام استدامة التنمية الاقتصادية والاستقرار السكاني على المدى الطويل.
تحت عنوان "ما المعدل المطلوب لتعظيم العائد الديموغرافي"، تناول الكاتب القدير الدكتور إحسان علي بوحليقة، موضوع اختلال الديموغرافية والتركيبة السكانية من عدة زوايا، وما يمكن أن ينتج عنها من سلبيات اجتماعية، بسبب ما يتشأ من تغييرات في التركيبة العمرية للسكان في دولة ما. وهنا سلط الكاتب الضوء على الوضع في السعودية، بأن معدلات الإنجاب لا تشكل تحداً اقتصادياً في الأساس ولكن بالرغم من ذلك وهو الجانب الأهم الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافة السعودية التي تميز وطننا عما سواه، وهذا لا يعني انغلاقاً، بل يستوجب تعاملاً مع المتغيرات من خلال سياسات استشرافية وتنفيذها من خلال مبادرات ناجزة.
وبالنسبة لمعدل الخصوبة Total Fertility Rate في المملكة العربية السعودية ولله الحمد مطمئن في الوقت الراهن، استناداً إلى تقرير إحصاءات المرأة السعودية 2024 تحت مؤشرات صحة المرأة الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، الذي أشار إلى أن معدل الخصوبة الكلي للسعوديات في سن الإنجاب (15 - 49 عامًا) اللاتي سبق لهن الإنجاب (سواء كان الأطفال أحياء أم لا حاليًا) بلغ 2.7 طفل في عام 2024 متجاوزاً بذلك المتوسط العالمي البالغ 2.3 طفل في عام 2023 وفقاً لموسوعة ويكيبيدا، والذي يقيس متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة الواحدة خلال حياتها الإنجابية (عادة من سن 15 إلى 49 عامًا) في جميع أنحاء العالم خلال سنة معينة، وتشير تقديرات بعض المصادر إلى أن الرقم قد يكون حوالي 2.2 طفل لكل امرأة في 2024 - 2025.
كما تتميز التركيبة السكانية للمملكة العربية السعودية من المواطنات السعوديات بكونها تركيبة شبابية، وهو ما يشكل عاملًا داعمًا لاستدامة معدلات الخصوبة مستقبلًا. فعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي عدد الإناث السعوديات 9,807,663 نسمة في عام 2024، وشكلت الفئات العمرية من 0-9، و10-19، و20-29، و30-39، و40-49 عامًا ما نسبته 87 % من إجمالي المواطنات السعوديات.
وتضم هذه الفئات العمرية، في المقام الأول، شريحة كبيرة من المواطنات المتزوجات حاليًا ممن هن في سن الإنجاب، إلى جانب مواطنات أخريات في سن الزواج أو سيلتحقن به خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى الشابات اللواتي سيشكلن قاعدة الزواج والإنجاب مستقبلًا. ومن المأمول والمعوّل عليه أن يسهم هذا الامتداد العمري المتدرج في تعزيز وتحسين معدل الخصوبة في المملكة على المدى القريب والمتوسط.
ويأتي ذلك في ظل التسهيلات والدعم المتنامي الذي تقدمه الحكومة السعودية لتمكين المرأة السعودية، بما يتيح لها تحقيق التوازن بين دورها الأسري والأمومي وبين مشاركتها في سوق العمل. وتشمل هذه المبادرات العمل المرن، والعمل عن بُعد، والعمل الحر إلى جانب مبادرة “قرة”، وهو مبادرة وطنية أطلقها صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) لدعم وتمكين المرأة العاملة السعودية من الالتحاق بسوق العمل والاستثمار فيه، وذلك من خلال مساندتها في تحمل جزء من تكاليف ضيافة الأطفال عبر مراكز معتمدة وقريبة من مقر السكن أو العمل، بما يعزز الاطمئنان على جودة الرعاية المقدمة للأبناء.
خلاصة القول؛ أن الحكومة السعودية تُولي اهتمامًا كبيرًا بدعم تكوين الأسر واستقراراها، بما في ذلك الزواج من خلال حزمة من البرامج الاجتماعية والتمويلية، يأتي في مقدمتها بنك التنمية الاجتماعية (بنك التسليف والادخار سابقًا) الذي يقدّم قرض الزواج الحسن بدون فوائد وبأقساط ميسّرة لتخفيف أعباء الزواج. كما تسهم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وجمعيات الزواج والتنمية الأسرية في تقديم مساعدات مالية وبرامج تأهيلية للمقبلين على الزواج، ويُستكمل هذا الدعم بمبادرات مساندة مثل برنامج سكني، وحساب المواطن، وبرنامج قرة، بما يعزز تكوين الأسرة والاستقرار الأسري، وينسجم مع مستهدفات رؤية 2030.
















التعليقات