خالد بن حمد المالك

ضمن الفوضى التي تعج بها المنطقة، وتقوم بها إسرائيل، لا يمنعها من ذلك قانون، ولا أعراف دولية، تحتل أراضي جيرانها، وتواصل هجماتها، وتُهدِّدهم باستمرار بهذا السلوك، فلا عقاب تخاف منه، ولا مساءلة تجعلها تتردد في عدم مواصلة عدوانها، وكأنها خارج القوانين، والمواثيق الدولية، تزوَّد بالأسلحة القتالية لقتل كل من يرفض جرائمها، وتُعاضد في تحقيق سياساتها، بالتوسع، والإمعان في قتل الأبرياء، وحرمانهم من حقوقهم المشروعة.

* *

لا يكفيها احتلالها أراضيَ لبنانية وسورية وفلسطينية، ولا الإصرار على سياستها بعدم موافقتها على قيام دولة فلسطينية، هدمت قطاع غزة بالكامل، وحولته إلى أرض محروقة، ومساحات خالية من المباني والمنشآت، ضرباتها في لبنان وسوريا وقطاع غزة مستمرة، وتهديداتها لدول أخرى لا تتوقف، وكأن لها أن تفعل ما تشاء، وكأنه لا يوجد قانون يحكم سلوكها كما هي بقية الدول، ولا من معترض، ومن يعترض فلا قيمة لاعتراضه.

* *

إسرائيل غير بقية الدول، مدعومة من أمريكا، ومن الغرب، حتى وصل الأمر إلى أن أي إجراء عدواني تقوم به إسرائيل يتم التنسيق فيه مع أمريكا، وأخذ موافقة الرئيس الأمريكي، ويتم الإعلان عنه على لسان الرئيس الأمريكي ترمب، ورئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، وكأنها رسالة ثنائية أمريكية إسرائيلية، على أنهما جبهة واحدة، وأن السياسة بكل تفاصيلها تجمعهما معاً، بما لا يمكن إنكاره، أو التشكيك فيه، فهو معلن على لسان قادتي الدولتين.

* *

الآن تُعلن إسرائيل عن اعترافها بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند) وتزيد عليه (بقيام وزير خارجيتها بالدخول غير المصرَّح له من جمهورية الصومال الفيدرالية إلى مدينة هرجيشا التي هي جزءٌ لا يتجزأ ولا ينفصل من الأرضي السيادية لجمهورية الصومال الفيدرالية المعترف بها دولياً، وأي وجود رسمي أو اتصال أو تعامل يتم داخل الأراضي الصومالية دون الموافقة والتفويض الصريحين من الحكومة الفيدرالية يعد غير قانوني، وباطلاً، ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر أو حجة قانونية، كما يتعارض مع مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، والأعراف المستقرة، التي تحكم العلاقات بين الدول ذات السيادة، بما في ذلك مبادئ المساواة، واحترام السلامة الإقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير)، وفقاً لبيان وزارة الخارجية لجمهورية الصومال الفيدرالية.

* *

ولا بد من التذكير بأن موقف المملكة لم يكن غائباً أمام هذا التصرُّف الإسرائيلي الخطير، حين تم الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، ثم بزيارة وزير خارجية إسرائيل لأرض الصومال (صوماليلاند) لما في هذا الاعتراف من مخاطر على أمن واستقرار المنطقة، مع التأكيد على سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة، ووحدة وسلامة أراضيها، باعتبار ذلك ركناً أساسياً لاستقرار الدولة الصومالية، ومن رأي المملكة -وقد أنكرت هذا الاعتراف وشجبته وندَّدت به- أن يتحرَّك المجتمع الدول لاتخاذ موقف موحَّد، رافضٍ لهذه الإجراءات، حفاظاً على السلم والأمن الإقليميين والدوليين، وضمان احترام سيادة الدول، وحقها في الحفاظ على وحدة أراضيها.

* *

ولا يغيب عن الجميع أن الهدف من الاعتراف الإسرائيلي باستقلال إقليم أرض الصومال، إنما هو لاستغلال موقع الإقليم الإستراتيجي في تهديد الأمن الإقليمي، وخاصة حركة الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، حيث تشكِّل السيطرة عليه خطراً حقيقياً على الأمن الوطني لجميع الدول المطلة على البحر الأحمر، فيما أن مصلحة إقليم أرض الصومال تقتضي الابتعاد عن أي روابط خارجية، أو الانخراط في مشروعات وأجندات مشبوهة تقودها إسرائيل، ما قد يحول أراضيها إلى بؤرة صراع، ويعزل الإقليم وشعبه عن محيطه العربي والإفريقي وانتمائه الأصيل للشعب الصومالي.

* *

ومع أنه ليس من حق إقليم أرض الصومال قانونياً عقد أي اتفاقيات دولية، أو أن يتم الاعتراف به من قِبل أي دولة، أو ممارسة أي من الأعمال السيادية المنوطة حصراً بالحكومة الفيدرالية، باعتباره إقليماً تابعاً للجمهورية الصومالية، فإن إسرائيل وأرض الصومال فعلا ذلك، وهو ما وُوجه بالرفض من قبل الدول الإقليمية والدولية، والتنديد بإصرار إسرائيل على مخالفتها وانتهاكها الصارخ للمبادئ المستقرة للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، غير أن التنديد لا يكفي مع إسرائيل، فلا بد من التحرُّك الدولي لإفشال هذه المؤامرة الإسرائيلية ضد وحدة أراضي الجمهورية الصومالية، وسعيها لخلق الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.

* *

وهذا الاعتراف الإسرائيلي من المؤكد أنه سوف يُضاعف من الخطر على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، ومنطقة البحر الأحمر، نظراً للأوضاع الجيوسياسية المعقَّدة في المنطقة، وما تمثِّله من أهمية بالغة لأمن الاقتصاد العالمي، وحركة التجارة العالمية، وسلامة الملاحة البحرية، وأمن الطاقة، بما لا ينبغي الصمت أمام هذا العدوان الإسرائيلي الجديد.