في التحولات الكبرى التي شهدها المشهد الثقافي السعودي خلال الأعوام الأخيرة، لم يكن برنامج الشريك الأدبي مجرد آلية دعم للفعاليات، بل كان في جوهره إعادة اكتشافٍ ذكي لأماكن الثقافة نفسها، ومن بين أكثر هذه الاكتشافات دلالة وعمقًا، حضور المقاهي العامة بوصفها شريكًا أدبيًا، لا على الهامش، بل في قلب الفعل الثقافي، فالمقهى، تاريخيًا، ليس مكانًا عابرًا لشرب القهوة فقط، بل فضاء اجتماعيا كثيف الدلالة؛ فيه تتقاطع الحكايات، وتتشكل الآراء، وتُختبر الأفكار خارج القاعات الرسمية، وحين التفت برنامج الشريك الأدبي إلى هذا الفضاء، كان في الحقيقة يعيد الثقافة إلى موضعها الطبيعي بين الناس، لا فوقهم.

منذ المواسم الأولى للبرنامج، بدأت المقاهي تدخل المشهد بوصفها منصات مفتوحة للقراءة، والحوار، والأمسيات الخفيفة، وورش الكتابة، وتوقيعات الكتب، لم يعد النص الأدبي محاطًا بهيبة المنصة، ولا المتلقي أسير الكرسي، بل صار الحوار ممكنًا، حيًا، ومشاعًا، وهنا تحولت الثقافة من «حدث يُعلن» إلى «جلسة تُعاش»، وهذا هو التحول الأهم.

لهذا أظن أن البرنامج نجح عبر شراكته مع المقاهي، في كسر الصورة النمطية للثقافة النخبوية، فالمقهى لا يسأل الداخل عن خلفيته المعرفية، ولا عن رصيده القرائي، بل يتركه يدخل كما هو وهذا ما جعل الفعل الأدبي أقرب وأكثر إنسانية، وأقل ادعاء.. كثير من الحضور في تلك الفعاليات لم يكونوا «جمهور ثقافة» تقليديًا، لكنهم خرجوا بأسئلة، وربما بكتب، وربما برغبة أولى في القراءة.

لقد أسهمت هذه الشراكات في توسيع مفهوم «الفاعل الثقافي»، لم يعد المثقف وحده في الواجهة، بل شاركه صاحب المقهى، ومنسق الجلسة، والرواد الدائمون، وحتى المكان نفسه بتفاصيله اليومية، الثقافة هنا لم تكن ضيفًا ثقيلًا، بل جزءًا من إيقاع الحياة.

ومع توالي المواسم، ظهرت تجارب لافتة استطاعت أن توظف المقهى بذكاء «جلسات قراءة غير تقليدية، حوارات قصيرة لا ترهق المتلقي، أمسيات تعتمد التفاعل أكثر من الإلقاء» هذه النماذج أكدت أن المكان، حين يُحسن استثماره، يمكن أن يكون شريكًا إبداعيًا لا مجرد وعاء، ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من ملاحظات تستحق التوقف، من أبرزها أن بعض الفعاليات وقعت في فخ «الاستعراض الثقافي»، حيث تحولت الجلسة إلى صورة جميلة بلا عمق حقيقي، أو إلى نشاط سريع يفتقر إلى فكرة واضحة، كما أن تفاوت جاهزية المقاهي ثقافيًا أدى أحيانًا إلى ضعف التنظيم أو غياب الرؤية.

ثمة حاجة كذلك إلى تدريب الشركاء من أصحاب المقاهي على تصميم البرامج الثقافية، لا الاكتفاء باستضافة الأسماء، فنجاح التجربة لا يتوقف على الضيف بقدر ما يتوقف على السياق، وطبيعة الحوار، وقدرة المكان على احتضان الفكرة لا تشتيتها.

كما أن الزمن القصير لبعض المبادرات جعل الأثر محدودًا، وكأن الثقافة تمر مرورًا عابرًا، وربما يكون من المفيد التفكير في برامج مقهى مستمرة، أو سلاسل حوارية طويلة النفس، تخلق علاقة تراكمية بين المكان ورواده.

في المحصلة، أثبت برنامج الشريك الأدبي عبر المقاهي العامة، أن الثقافة يمكن أن تنجح حين تنزل من المنصة، وتجلس إلى الطاولة، وتحتسي القهوة مع الناس، لقد أعاد الاعتبار لفكرة أن الأدب ليس مناسبة رسمية، بل حوارا يوميا، وأن أجمل الأسئلة تولد أحيانًا بين فنجانٍ وآخر، ومع قليل من التنظيم، وكثير من الوعي بدور المكان، يمكن للمقهى أن يكون أحد أكثر الفضاءات قدرة على تحويل الثقافة إلى فعلٍ مجتمعي حيّ.