منذ انطلاقة رؤية المملكة العربية السعودية 2030 في أبريل 2016، تشهد المملكة العربية السعودية، على المستويات الاقتصادية والتنموية وفي مختلف مجالات الحياة، مرحلة متقدمة من التحول الشامل.

وقد تجسّد هذا التحول في إنجازات نوعية أسهمت في تعزيز مكانة المملكة، ليس على الصعيد الخليجي والعربي والإقليمي فحسب، بل وحتى على المستوى الدولي أيضًا، لترسّخ موقعها بوصفها قوة اقتصادية مؤثرة إقليميًا ودوليًا.

وفي هذا العام الجديد 2026، بإذن الله ستواصل المملكة العربية السعودية تنفيذ مستهدفات رؤيتها الطموحة 2030، وهي على مشارف سنواتها الأخيرة التي تفصلنا عنها أربعة أعوام وعدة أشهر، بخطى واثقة ومتسارعة لجني ثمار نجاحاتها المتراكمة، فمن المنتظر أن تحقق المملكة تقدمًا ملموسًا في تنويع قاعدتها الاقتصادية ومصادر دخلها، وتمكين القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتنمية الاستثمارات المحلية، إلى جانب تطوير البنية التحتية وتعزيز نمو القطاعات الواعدة، كالصناعة والسياحة والتقنية والطاقة المتجددة، ويُعول على استمرار جهود الحكومة في تمكين تلك القطاعات أن تسهم في في تعزيز الاستدامتين الاقتصادية والمالية، والارتقاء بجودة الحياة، وخلق فرص عمل نوعية، بما يجسد رؤية طموحة لمستقبل أكثر ازدهارًا وتنافسية.

وبالرغم من التحديات والإشكاليات غير المسبوقة التي تحيط بالاقتصاد العالمي خلال الأعوام القليلة الماضية، والتي تفاقمت وللأسف الشديد منذ بداية هذا العام، سيما على الصعيدين السياسي والجيوسياسي، إلا أنه يُتوقع للاقتصاد السعودي أن يواصل صموده في مواجهتها والتقليل من آثارها السلبية، مستمدًا قوته من ما تحقق في السنوات السابقة من إصلاحات جوهرية وإعادة هيكلة شاملة للاقتصاد الوطني.

وقد أسهمت السياسات الاقتصادية المرنة والاستثمارات النوعية في دعم النمو المستدام، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية، وتعزيز تنافسية المملكة عالميًا، بما يعكس انتقالها من مرحلة التحول إلى مرحلة التمكين وتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي طويل المدى.

ويُرجّح أن يؤدي تسارع تنفيذ مبادرات رؤية السعودية، مدعومًا بالتوسع في المشاريع الاستراتيجية الكبرى وتعميق دور الاقتصاد غير النفطي وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، إلى دعم معدلات نمو إيجابية ومستدامة للاقتصاد الوطني، وبالأخص في القطاع غير النفطي.

إن استمرار جهود الحكومة في انتهاج سياسات التنويع الاقتصادي المالي، بما في ذلك سياسات الإصلاحات، وتبني سياسات الإنفاق الموجه والمعاكس للدورة الاقتصادية، بما في ذلك الإنفاق التحولي على القطاعات والأنشطة الاقتصادية، سيسهم بفعالية في نمو الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.

وسيكون للميزانية العامة للدولة هذا العام، بحجم إنفاقٍ مُقدَّر يبلغ 1,313 مليار ريال، عاملًا محوريًا في استمرار تعزيز مكانة المملكة الاقتصادية إقليميًا ودوليًا، ورفع قدرتها التنافسية، ودعم مسار النمو الاقتصادي، إلى جانب مواصلة تحقيق معدلات نمو اقتصادية إيجابية.

وقد صُمِّمت الميزانية العامة للدولة هذا العام، على الرغم من تسجيلها لعجزٍ ماليٍّ مُقدَّر بنحو 165 مليار ريال، وارتفاع مستوى الدين العام المخطط له إلى 1,622 مليار ريال، بما يعادل نحو 32.7 % من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها تهدف إلى دعم مسار النمو الاقتصادي وتعزيز الإنفاق التنموي والتحوّلي.

كما وتهدف الميزانية إلى تعزيز قوة المركز المالي للدولة، والحفاظ على مستويات مستدامة من الدين العام وفق ماهو مستهدف بحدود 40 % من الناتج المحلي، وتوفير احتياطات مالية كافية، وذلك بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، ويعزّز من مرونة الدولة وقدرتها على التدخل والاستجابة لأي صدمات أو أزمات اقتصادية عالمية غير متوقعة.

في تقريرٍ حديث نُشر بالصحيفة عن فريق الأبحاث العالمية لدى Standard Chartered Global Research، توقّع أن تواصل المملكة العربية السعودية تحقيق نمو قوي في ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 4.5% خلال عام 2026، متجاوزة بذلك معدل نمو الاقتصاد العالمي المقدّر بنحو 3.4 %.

وأشار التقرير أيضًا إلى استمرار الزخم الإيجابي في قطاع النفط، الذي عاد إلى مسار النمو مجددًا عقب تخفيف تحالف أوبك+ تخفيضات الإنتاج التي كانت سارية منذ عام 2023، كما وتوقّع التقرير أن يواصل القطاع غير النفطي نموه بوتيرة مستقرة تبلغ 4.5 %، مدفوعًا بارتفاع مستويات الاستثمار والاستهلاك، مع استمرار دوره المحوري في دعم الاقتصاد الوطني.

وأعتبر تقرير صدر مؤخرًا عن صندوق النقد الدولي، أن 2026 يُعد بمثابة عامٍ محوري للاقتصاد السعودي، ، حيث أن المملكة في وضع جيد يؤهلها لمواجهة ما هو أبعد من العوامل الدافعة المواتية التي سادت خلال الفترة 2022–2024، عندما ساهم ارتفاع أسعار النفط وتنفيذ الإصلاحات في تسهيل التعجيل بالإنفاق المرتبط بأهداف "رؤية السعودية 2030"، والدخول في بيئة أصعب تتسم بانخفاض أسعار النفط وزيادة الاحتياجات التمويلية.

خلاصة القول: إنه من المتوقع أن يواصل الاقتصاد السعودي خلال عام 2026 أداءه القوي وتحقيق معدلات نمو إيجابية، مع ترجيح وصول معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى نحو 4.6 %، ويُعزى هذا النمو بشكل رئيسي إلى التوسع المتواصل في الأنشطة غير النفطية، مدفوعًا بالدور المتنامي للقطاع الخاص بوصفه المحرّك الأساسي للنمو الاقتصادي في المرحلة المقبلة، وذلك في ظل استمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتعزيز جاذبية بيئة الاستثمار.