الحياة التي تمتلئ بها لوحة ريما أميوني (1954-2026)، لونًا باذخًا، وتأليفًا، وعفويةً ليس فيها اصطناعٌ وفي منتهى الذكاء العفويّ، وموضوعًا، وطبيعةً، وطفولةً، من الصعب أنْ تغادر هذه الحياة. ليس لأنّها تزدحم بالأسئلة، وليس لأنّها تغصّ بالأفكار، وليس لأنّها تدّعي، وتزعم، وتتباهى، وتتفلسف، وترفع شعارات الحداثة وما بعدها، بل لأنّها أليفةٌ، ومتواضعة، وخفِرة، وتصيب الهدف. الألفة التي تحتضن اللوحة، لا تجعلها لوحةً عابرةً، وإنْ تكن خفيفة الوطء. إنّها الألفة التي هي على شفا هاوية، والتي هي قبضٌ على صمتٍ دفينٍ، وعلى وقتٍ خارج الزمن، بما هي حضورٌ عميقٌ، وأنسٌ، ووشوشاتٌ، ورواياتٌ، وكائناتٌ، وأشياء، قد لا تجد لها مكانةً في قلب الصخب الأعمى الذي يلفّ الحياة المعاصرة. سيقال الكثير عن الوجع الدفين الذي قد يكون ماثلًا وراء هذه اللوحة، وعن الهشاشة التي تستولي على الرسّامة فتجعلها أشبه بقشّةٍ في الاضطراب الكونيّ الأعظم، بل تجعلها في حالٍ من الخفّة اللّامتناهية، وتجعل الحياة نفسها أشبه بنسمةٍ في مهبّ الريح، وكمثل عشبةٍ، وورقةٍ، وغيمة. وها هنا قد تكون فلسفةُ العبث كامنةً تحت السطح، وفي طيّات اللون، وفي متون عناصر التأليف، لكنْ من دون أنْ تكون الفنّانة تدّعيها، أو تومئ إليها قصدًا، وبالوعي. لوحة ريما أميوني (النهار). سيقال إنّ ريما أميوني أدركت بالحدس والبداهة وباللّاوعي، العطبَ الذي ينخر الكون، بما يجعلها معنيّةً بتقديم اللوحة الشاهدة، التي تكتفي بالضئيل الهانئ، الذي يُغني عن كلّ استعراضٍ ثقافيّ. كتبتُ عن أعمالها في "نهار" 13/1/2023 ما يأتي: "ذكاء هذا النوع من الرسم هو ذكاء الرسم الطفوليّ الطبيعيّ المولود بالتلقاء، بالبداهة، بالعفو (العفويّة)، بالخربشة ذات المخيال الخلّاق. يجب أنْ أقول إنّها خربشةٌ ذات "وعيٍ" تأليفيٍّ وهندسيٍّ وبنائيّ، ينضح نضوح ما (ومَن) لا يحتاج إلى إجهادٍ واجتهادٍ وتصنّع. وها هنا، في هذا النوع من الكَرَم المتناسق والمموسق، ليس ثمّة ما يغبط، مثلما تفعل هذه "السذاجة" التشكيليّة بنا (بي)، في خضمّ هذا الأسى العميم، هذا القحط المميت الذي يلمّ بحياتنا، بوجودنا. أهي "سذاجةٌ" هذه التي تجعلني أسافر في رحابها (الماكرة؟!)، أم "نبوغٌ" تلقائيٌّ يُحدِث نوعًا من النقاهة، من الاستشفاء، داخل هذا السطح التشكيليّ، هذا العالم الفنّيّ - اللونيّ الحرّيف الطيّب، الهنيء، اللذيذ، حيث كلّ شيءٍ، كلّ تفصيلٍ، كلّ زيحٍ، كلّ حجمٍ، كلّ شكلٍ، وكلّ تأليفٍ، ينضوي في قوامٍ تشكيليٍّ متماسك، كأنّه – في براءته - يوازي ما يقترحه علينا الوعي الفنّيّ الثقافيّ النقديّ المعرفيّ من خبراتٍ واختباراتٍ تصبّ في تاريخٍ من التراكمات التشكيليّة (الساذجة) المرجعيّة التي يُحسب لها ألف حسابٍ في تاريخ الفنّ". لوحة ريما أميوني (النهار). ريما أميوني التي غادرت الحياة قبل أيّام، لم تترك في لوحتها مكانًا أو موضعًا لافتعال التأليف واصطناعه، وقد أدركت أنّ النهار الذي أُعطيناه، لو أصغينا إليه، لهو زاخرٌ بتآليفَ ومكوّناتٍ تستدعي الكثير من الصمت من أجل وعيه والعمل على احتضانه ورسمه. عاشت لوحة ريما أميوني، كما هي عاشت، في ثنايا الضوء، في البيوت، بين الناس، تحوطها الأشياء والكراسي والطاولات والجدران وأحواض الزهور وعناصر الطبيعة، بإيقاعاتها، بهندساتها، بتوازناتها، وبألوانها الباهرة والوحشيّة. وقد أخلصت لما عاشت فيه، ولا سيّما الألوان. وها هي تغيب فيها، حيث سنراها، ونشهد لها، كما لو كانت هي نفسها تلك الألوان الحارّة الباذخة.