خطوة غير مسبوقة وفريدة نوعا ما ما قام به الرئيس برهم صالح بزيارته وتفقده شارع الثقافة المتنبي ومقهى الشهداء الشابندر وسط بغداد العاصمة، فهي من جهة ترسل اشارات مفادها ان الرئيس العراقي سيكون خلال الاعوام الاربعة القادمة من ولايته قريبا من الشعب او على الاقل سيقضي كثيرا من وقته في الشارع مهتما بتخفيف معاناة المواطنين البسطاء والاستماع لمشاكلهم ومحاولة حلها، كما تكسر حالة التباعد وتردم الهوة بين المواطنين واصحاب القرار وتعيد ثقة الناس بالمسؤولين واصحاب القرار من جهة اخرى، الا ان مضي الرئيس في نهجه هذا ستواجهه عقبات تصعب من بلوغ غايته.&
الزيارة جاءت بعد اسبوعين من انتخاب برهم صالح رئيسا لجمهورية العراق وقابلها كثير من العراقيين بترحيب كبير ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي التي عجت بمنشورات الثناء وتعليقات الاشادة، كما مثلت الزيارة وقبلها مبادرة عادل عبدالمهدي رئيس الوزراء في مباشرة مهام عمله خارج المنطقة الخضراء المحصنة، نقلة نوعية وبادرة خير لحقبة سياسية جديدة تلوح في الافق عنوانها الرئيس هو النزول الى الشارع والتقرب اكثر الى الشعب ومعايشة معاناته وترك البروج العاجية، رغم ما صاحبهما من التعليقات والانتقادات حول كونهما ليستا سوى شو اعلامي.
ردود الافعال المرحبة بالزيارة ستضع الرئيس امام مسؤولية الالتزام بما بدأه في المتنبي والمضي قدما والسعي لتعميمه على جميع المحافظات العراقية التسع عشرة دون تمييز، تطبيقا لنيته التي شدد خلال انتخابه في مجلس النواب على تحقيقها عندما اعلن أنه سيكون رئيساً للعراق وليس لفئة او جهة معينة او مكون.
ولكن هذه النية ستصطدم بعقبات كبيرة في المحيط العراقي كما في البيت الكردي، فالداخل العراقي ينتظر الكثير من الرئيس من اجل تغيير صورة المسؤولين السياسيين في نظر الشعب واعادة ثقة المواطن بصدقية اقوالهم وافعالهم ولاسيما فيما يتعلق بالمشاكل التي تخص الحياة اليومية وتأمين اساسيات العيش الكريم. اما على مستوى البيت الكردي فان اكبر تحد يواجه الرئيس هو ترميم العلاقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني اكبر المعترضين على انتخابه وكشف حقيقة التهديد والوعيد اللذين يروج لهما مؤيدوه.
عراقيا سيكون الرئيس مطالبا بالالتفاف على جميع المدن على حد سواء ودون تمييز، آخذا بنظر الاعتبار مدى الغبن الذي اصابها خلال الاعوام السابقة وضرورة الاسراع في النهوض بواقعها المتردي خدميا واداريا على ان تحتل المحافظات التي شهدت مظاهرات مطلبية، الاولوية في ترتيب زيارات الرئيس الميدانية للوقوف على مشاكلها الملحة والاسراع في تلبية احتياجاتها الضرورية الملحة.
اما على الجهة الكردية فعلى برهم صالح وباعتباره رئيسا لكل العراقيين بمن فيهم مواطني اقليم كردستان ان لا يدخر جهدا في تفقد محافظاته ومدنه لمشاركة هموم الناس ومنحهم شعورا بأنهم ينتمون الى بلد يحفظ حقوقهم ويعاملهم بالتساوي مع اقرانهم في مدن العراق الاخرى، وعلى عاتق الرئيس كذلك بذل كل مافي وسعه لترميم العلاقات بين حزبه الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي والتي توترت بعد اختياره رئيسا من قبل مجلس النواب ما دفع الحزب الديمقراطي الى اتخاذ موقف متشدد منه ومن حزبه وان لم يفصح عن ذلك علنا، وقد تكون مهمة الرئيس هذه صعبة ومجهدة خصوصا وان مسؤولي الحزب الديمقراطي لا يزالون متأثرين بخسارة مرشحهم المنافسة على المنصب ولم يتكبدوا حتى عناء تهنئة تهنئة صالح بفوزه، لا بل يذهبون اكثر من ذلك بتسريبهم معلومات وتصريحات غير رسمية عن عدم رغبتهم في التعامل معه وحتى "عدم السماح له بدخول اربيل".
على الرئيس برهم صالح التعامل بروية وحكمة لامتناهية في هذه القضية التي ستكون لها انعكاسات مباشرة ومؤثرة على هيكلة العلاقة بين الاطراف السياسية الكردية او على الاقل بين الحزبين الرئيسيين وكذلك على تعامل الحكومة العراقية الاتحادية مع اربيل مركز القرار في الاقليم، فمن الضروري للرئيس ان لا ينجر وراء اتخاذ مواقف على اساس الفعل ورد الفعل، كما ان عليه مراعاة ما يمر به الحزب الديمقراطي من حالة اضطراب بعد ان مني مرشحه بالفشل تحت قبة البرلمان ولابد ان يغض الطرف عما يبدر منه من تصريحات صلفة لا تخدم مصلحة تعزيز التعاون والتضامن ووحدة الصف التي ينادي بها.
لابد للرئيس ان يأخذ في الحسبان ان غرور الحزب الديمقراطي وصل الى عنان السماء يحفزه في ذلك نشوة فوزه بعدد كبير من مقاعد برلمان كردستان خلال الانتخابات الاخيرة التي جرت في الثلاثين من ايلول (سبتمبر)، الامر الذي يجعل من الصعب اقناعه بالعدول عن خطوات قد يكون بصدد اتخاذها انتقاما لخسارة مرشحه دون آبه بانها ربما ستدمر مابقي من فرص اصلاح ذات البين، وهناك الكثير من الامثلة على ما تعرض له العديد من السياسيين الكرد في شوارع ومقاهي اربيل ودهوك من منع واعتداءات واهانات لمجرد خلافهم مع السلطة او كونهم معارضين لها.
ولكن رغم ذلك يبقى زمام المبادرة لتسوية الاشكال في يد الرئيس فهو يمثل اعلى منصب ادراي في الهيكل الحكومي ومنصبه بمثابة هيبة للدولة العراقية، ولكن عليه ان يأخذ الحيطة والحذر عند اقدامه على اي امر بهذا الخصوص وان يمهد له خير تمهيد.
انها مسالة وقت فقط وسنشهد عاجلا ام آجلا خلال ولاية الرئيس شمول مدن الاقليم ولاسيما العاصمة بزياراته التفقدية الميدانية الرسمية او غير الرسمية وقد يكون مقهى مجكو المشهور قرب القلعة التاريخية وسط اربيل وجهة احدى تلك الزيارات، ولكن السؤال يبقى كيف ومتى؟&

صحفي من كردستان العراق&