قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك عبارة شهيرة للعالم الفرنسي باسكال تقول:" البشر يحتلون الوسط ما بين اللاشيء وكل شيء" ، ويعمل العلم على تقنين الحدود لذلك الوسط أي بين 10-18 من المتر و 1026 متر هو الحجم التقريبي المنظور أو المرصود للكون المرئي، وكانت هذه النتيجة الحسابية ثمرة جهود ثلاثة قرون من البحث والتقدم العلمي. فالعلماء يؤمنون بموضوعية وحيادية الطبيعة وقد شيدت العلوم على حجر أساس يتمثل بقانون السبب والنتيجة أو التأثير والمعروف فلسفياً بالعلة والمعلول ، حيث ينبغي على التجارب العملية والمختبرية والرصدية أن تثبت صحة التنبؤات والتوقعات والفرضيات النظرية. والحال إن هناك بعض المصادفات الرقمية تبدو شديدة التخصصية ولا تتماشى بالضرورة مع إحساسنا بالمتقبل والمحتمل ، أي فكرة إن ما يتم إنجازه وتحققه ليس فيها ما هو غير محتمل على نحو خاص. إن هذا التشخيص يحث على إتخاذ وجهة من التفكير تحطم القوالب الجامدة والسيرورة المتشددة ، وهو ما يعرف بالمبدأ الأنثروبي ، أي إن الأشياء تحققت بموجب ظهورنا على مسرح الوجود وفق مشيئة عليا.

نشأ الإنسان على كوكب ملائم لاحتضانه ، وقهرت الحياة، بكل مراحلها، العديد من العقبات الكأداء لكي تتمكن في النهاية من التشبث وغرس جذورها في هذا الكوكب لتستمر وتتطور. فهناك شمس بحجم متوسط وأبعاد جيدة وملائمة ، وتبعث طاقة كافية وعمرها مناسب فلا هي قديمة جداً و لا حديثة جداً، وعلى مسافة ملائمة أيضاً من الأرض. كما إن حجم الأرض تكيف مع المسافة التي تفصله عن الشمس ويتناغم معها في خلق مدار مناسب. أما طبيعتها الصخرية فقد ساهمت في إيجاد غلاف جوي يحميها وضروري لها لمنع حدوث الاحتباس الحراري ويحافظ على درجة حرارة رحيمة ومعتدلة وهناك قمر تابع للأرض يؤمن مهمة المد والجزر وهي عملية أساسية ومصدر للتفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة ، باختصار نحن نعيش على الأرض لأن هناك ظروف ملائمة اجتمعت من أجل ذلك، ولكن هل الأرض وحدها في الكون المرئي هي التي تتوفر على مثل هذه الظروف المناسبة لنشأة الحياة؟

هل يمكننا أن نفكر ونعتقد بأننا ثمرة صدفة غير محتملة الوقوع أم نتيجة تصميم عظيم وذكي؟ و لابد من التفكير جدياً أن كوننا المرئي يضم عدداً هائلاً من الكواكب بأشكال وأحجام وخصائص متنوعة منها مشابهة لأرضنا كأنها التوأم لكوكبنا مما يدفعنا للاعتقاد أن إحتمالية ظهور الحياة فوق تلك الكواكب أمر شبه بديهي على غرار سيرورة ما حدث على الأرض من قوانين التفاعل والتطور الكيميائي والبيولوجي.

أما الكون المرئي فيحتوي من 100 إلى 300 مليار مجرة وهناك سدم وأكداس وحشود وتجمعات وعناقيد مجرية لا تعد و لا تحصى في الكون المرئي ، وفي كل مجرة هناك ما لا يقل عن 200 مليار نجمة كحد أدنى ، لذلك فإن نسبة العثور على كوكب ملائم للحياة مثل الأرض باتت كبيرة ، فالاحتمالية باتت ممكنة والمبدأ الأنثروبي غدا قديماً وعفا عليه الزمن.

إلا أن " الذريعة الكوكبية أعلاه" لا تستجيب ، كتفسير، لدقة الثوابت الفيزيائية التي توسم كوننا المرئي، فهذا الأخير، بعد التمعن به ودراسته بعمق، يبدو متجانساً على نحو مدهش فالخصائص والمعايير التي تملي على المادة سلوكها وتصرفها تبدو دقيقة للغاية ولديها القيم الضرورية اللازمة لذلك، وبالتالي هناك الكثير من الأمثلة على ذلك.

فلو كان الاختلاف في الكتلة بين النيوترون والبروتون ، أصغر قليلاً، فسوف يكون النيوترون أكثر استقراراً ولانفجرت النجوم بسن مبكرة ، ولأصبح تكون الحياة أمراً مستحيلاً. ولو كان الاختلاف أكبر قليلاً، فسوف يكون عمره أقصر وسوف يقلل من قيمة العلاقة بين كميات النيوترونات والبروتونات ، ولتطور الانفجار العظيم على نحو مختلف تماماً، أي لأختلف جذرياً عما نعرفه الآن. ونفس الشيء بخصوص العلاقة بين كتل البروتونات والإلكترونات ، ولقيمة ثابت البنية أو الهيكلية الدقيقة أو لسرعة التوسع الكوني. فلو تضاعف حجم الكون على نحو أسرع لما صار بوسع النجوم أن تتشكل ، أما التطور الأبطأ فسوف يكثف المادة في بنية مضغوطة للغاية على غرار الثقوب السوداء فأي تغيير في القيم مهما صغر أ و كبر، سوف يقلب رأساً على عقب التطور الكوني ولن نكون هنا لنتحدث ونناقش ذلك. فالتفاصيل الصغير في التركيبة الكيميائية يمكنها أن تحدد الظروف الأساسية اللازمة. وهذا يتعارض مع المعقولية ، باستثناء استدعاء تبرير أو حجة إحصائية جديدة.

تستند وجهة النظر الأنثروبية على الصعوبة الإحصائية لتفسير تلك المصادفات ولا ننسى أن المعايير والخصائص المدروسة لديها نفس القيمة في كل مكان من الكون المرئي. فنحن لا نعيش في جزيرة محظوظة وذات حظوة ومفضلة داخل الفضاء الكوني، ومن الناحية العملية فإن المقاربة تعترض على الاكتفاء بعلة الصدفة لوجودنا وتشجع على عملية تفكير وتأمل حول إمكانية وجود تصميم مسبق ذكي وعاقل " تصميم عظيم" ولكن يجب التعامل مع هذه الفرضية بحذر شديد لأنها يمكن أن تقودنا للبحث عن غاية ما ورائية أو غيبية، وفق المبدأ الأنثروبي الذي تبنته الأديان.

المبدأ الأنثروبي ، بصيغته الأكثر مقبولية، يفرض قوانين طبيعية تتسق وتتوافق مع وجودنا، وكأنها بديهية تقريباً بيد أن التفكير بذلك يمكن أن يكون مقيداً أو تقييدي فالمبدأ يسمح بانتقاء حيز ضيق من القيم المسموح بها لسرعة التوسع الكوني. إن هذه الشروحات المستقاة من المبدأ الأنثروبي لا معنى لها إلا في حالة غياب مبررات وذرائع أخرى. ولكن مالم نكتشف " نظرية كل شيء" بعد، فإن اختيار الثوابت الفيزيائية لقيمها الحالية يظل لغزاً غامضاً. فلا توجد لحد الآن نظرية شمولية كاملة وجامعة أو قصوى يمكنها تغيير الثوابت الجوهرية للمبادىء الكبرى في الكون المرئي. فالعلماء مازالوا يبحثون عن الكأس المقدسة ولكن يبدو أن القيم في الوقت الحاضر تم تحققها على نحو عشوائي وأن هناك مجال " للصدفة" فلو لم تتطور الحياة إلى الوضع المتقدم الذي هي عليه اليوم، لما كان هناك من يبالي بذلك أو يقلق، لكننا موجودون وعلينا أن نبحث في سر أو لغز: هل هناك خطة خارجة عنا تختبيء وراء هذا الوجود؟

وعلى ذكر الوجود، فإنه أكبر من الكون المرئي وسابق عليه في أعماق اللانهاية الزمنية أزلياً وأبدياً وسرمدياً ويضم في فنائه عدد لامتناهي من الأكوان du Multivers التي تجعل المبدأ الأنثروبي يتردد ويترنح. فبعد الانفجار العظيم ولد كوننا المرئي، وربما معه عدد كبير من الأكوان الأخرى ، ومما لاشك فيه أنه ولد مع كون توأم له مكون من المادة المضادة المنعدمة تقريباً في كوننا المرئي، ثم بدأ الكون المرئي بالتوسع، وفجأة تعرض لحالة من التضخم الفجائي الهائل بأسرع من الضوء لكي يبلغ حجمه الحالي وفي فترة زمنية لامتناهية في القصر ، وهذه الفرضية قدمت لتوضيح وشرح الإيزوتروبي expliquer l’isotropie أي تفسير حالة التماثل والتساوي والاتساق البادية في الكون المرئي. ولو كان كوننا المرئي قد ولد بهذه الطريقة بالفعل ، فلا يوجد هناك سبب يمنع حدوث ترددات وتقلبات كمومية مماثلة ومتوازية ، ما يعني انبثاق عدد لامتناهي من الأكوان لأن الفراغ الكوني المتهيج يقود إلى ولادة كونية ويستمر باقي الفضاء الكوني اللامتناهي بالتوسع والتمدد وفي داخله تتشكل فقاعات كونية متجاورة ومتداخلة ومتوازية ومتباعدة في آن واحد، وكل فقاعة هي عبارة عن كون يشبه أو يختلف كلياً عن كوننا المرئي، وله قوانينه وثوابته ومكوناته المتشابهة أو المختلفة عما يوجد ويسير كوننا المرئي. بل يعتقد الكثير من العلماء أن هناك عدد لامحدود من الانفجارات العظيمة حدثت وتحدث باستمرار دون توقف وبدون انقطاع، يفصل بينها مساحات واسعة ومتمددة دوماً بفعل حركة الوجود. ولا توجد هناك بالضرورة اتصالات أو تفاعلات بين تلك الأكوان المتعددة. ويمكن للتضخم الكوني أن يحدث بطرق مختلفة ومتنوعة لكل انفجار عظيم يحدث من أجل خلق أو ولادة كون جديد. وهذا يعني عدم وجود مبدأ أعلى متسامي لعملية الخلق ، أي عدم وجود خالق بالمعنى الديني للمفهوم.

لقد كرست نظرية الأوتار الفائقة هذه الرؤية ، انطلاقاً من صرح النموذج المعياري للجسيمات الأولية اللامتناهية في الصغر، وتطمح هذه النظرية للجمع بين، أو توحيد القوى الكونية الجوهرية الأربعة أي الثقالة أو الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة التي تدير العالم مادون الذري. ويبلغ العدد التقريبي ، وفق الحسابات الرياضياتية في الحواسيب أو الكومبيوترات العملاقة 10500 حسب نسبة الإمكانيات الإحصائية الممكنة الحدوث إثر تعدد الأبعاد المكانية وتنوع البعد الزمني واعتباره من المتغيرات في إطار نسيج الزمكان d’espace-temps، بيد أن ذلك محض تصور نظري افتراضي لحد الآن، وغير قابل للتدقيق التجريبي والمختبري أو الرصد والمشاهدة في الوقت الحاضر. الفيزياء المعاصرة تدرس كوننا المادي الملوس والمنظور لكنها لا تستبعد البنية الكلية الشاملة الممكنة الوجود وإن كانت تقبع الآن في نطاق الميتافيزياء ، فمن المؤكد أننا نعيش في أحد تلك الأكوان المناسب لظهورنا في داخله ، ربما مع أقوام وحضارات وكائنات أخرى كثيرة، نظراً للعدد اللانهائي للفقاعات الكونية التي أثمرتها نظرية الأوتار الفائقة من الناحية التنظيرية فقط. ولقد سبق للفيلسوف الإغريقي أبيقور أن قال:" ليس فقط عدد الذرات فحسب، بل وكذلك عدد العوالم في الكون ، لامحدود " وهذا طرح واضح وصريح وموجود منذ آلاف السنين.

من الناحية الإحصائية، لم يعد مستحيلاً، بل ممكناً جداً، وجود أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي تضم حيوات وحضارات، ما يعني انهيار الذريعة الأنثروبية، وهذا يعطي فكرة جلية عن تفاهة وجودنا وعدم أهميته مقارنة بما هو موجود ، حتى في نطاق كوننا المرئي وحده، فما بالك بالنسبة إلى عدد لامتناهي من الأكوان؟ الكوسمولوجيا المعاصرة تصيب الدارس بالدوار وتقوده إلى الجنون. فنحن بالكاد بدأنا نعرف القليل جداً عن كوننا المرئي فكيف يمكننا تصور وإدراك الكون الكلي؟ وحتى تكون هناك إمكانية عادية وبديهية لظهور الحياة يتوجب علينا تقبل فرضية تعدد الأكوان المختلفة والمتشابهة. فالرؤية السابقة للكون تفترض وجود خالق وتصميم عظيم مسبق أدى إلى خلق الكون ، إلا أن نظرية تعدد الأكوان تلقي بنا في خضم فوضى عقلية وإدراكية عملاقة وهائلة un gigantesque chaos، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل هل هناك فائدة أو جدوى من الاعتقاد بوجود إله خالق؟ وما هو هذا الإله وما هي ماهيته وصفاته؟ وللتهرب من هذا المأزق الفكري صرح آينشتين بأنه يؤمن بإله سبينوزا وهو إله يغمر الكون المرئي برمته وقد وضع له قوانينه وثوابته وحركته وسيرورته مرة وإلى الأبد ولم يعد يتدخل في شؤونه ، حيث تحدد وتقرر كل شيء انطلاقاً من لحظة بدئية تأسيسية ، ولكن في حالة وجود عدد لامتناهي من الأكوان فهل لكل كون إله خاص به على غرار إله سبينوزا؟ وهل هناك إله فائق أو مطلق " الله الواحد الأحد" كما تقول النصوص الدينية الذي يتسامى ويتعالى على كافة " الآلهة الكونية الأخرى؟" هذه مشكلة ثيولوجية بامتياز لا يرغب العلم الخوض فيها في الوقت الحاضر نظراً لنقص أدواته البحثية وأجهزته التقنية والتكنولوجية اللازمة للرد على ما يصدر عن هذه الرؤية من تساؤلات.

يتبع