: آخر تحديث

يلتسن الجزائر يبحث عن بوتينها

تعاقب على منصب رئيس الجمهورية في الجزائر منذ الاستقلال وحتى الوقت الحالي على التوالي كل من: فرحات عباس؛ أحمد بن بلة؛ هواري بومدين ؛ رابح بيطاط؛ الشاذلي بن جديد؛ عبد المالك بن حبيلس؛ محمد بوضياف؛ علي كافي؛ اليمين زروال؛ والرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة. وانتمى غالبية الرؤساء إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، باستثناء كل من: محمد بوضياف وعلي كافي.
واختلفت مصائر هؤلاء الرؤساء خلال تسلمهم أعلى منصب في البلاد بين الاستقالة والسجن والاغتيال. فعقب الاستقلال وصل أحد أبرز مؤسسي جبهة التحرير الجزائرية وهو أحمد بن بلة إلى سدة السلطة في سبتمبر عام 1963، إلا أن خلافا وقع بين مجلس الثورة وبن بلة انتهى بعزل الأخير وإدخاله السجن حيث بقي معتقلا حتى عام 1980 ثم أطلق سراحه ليغادر البلاد إلى فرنسا قبل أن يعود للبلاد مرة أخرى في عام 1990.
 وعملياً كان الخلاف بين بن بلة ووزير الدفاع هواري بومدين الذي ظهر للعلن بعد انعقاد مؤتمر حزب جبهة التحرير في 14 أبريل 1964، حيث لوح هذا الأخير بالاستقالة لكن بن بلة رفض الأمر. وكان بومدين من بين المعترضين على عقد المؤتمر، وفي المؤتمر وقعت انتقادات كبيرة ضد بومدين والجيش. صرح به بن بلة لاحقا: «الخلاف مع بومدين والجماعة بتاعه كانت لسبب واحد أساسي، من اللي يحكم في الجزائر، الجيش أم الحزب..(جبهة التحرير)». وبدأت تظهر معالم صراع جديد حول السلطة بين الرئيس بن بلة وحليفه السابق بومدين بعد إعلان بن بلة في ديسمبر 1964 عن حكومة جديدة احتفظ فيها بحقائب الداخلية والمالية والأخبار. وصار بومدين متيقنا أن بن بلة يعمل على إزاحته. ورغم عدم قبول بن بلة للاستقالة الجماعية لبومدين وآخرين سنة 1964، إلا أن الأمور لم تهدأ.
وفي بداية 1965، بدأ بومدين بالتخطيط للإطاحة ببن بلة لما ظهر منه وكأنه إبعاد له عن مقاليد الحكم. واستطاع بومدين إقناع بعض قادة الأركان بضرورة تنحية بن بلة. وبعد شهر من التحضيرات، تولى الطاهر زبيري (قائد الأركان) أمر اعتقال بن بلة في ليلة 18-19 يونيو 1965. وأعلن بومدين عن الانقلاب على موجات الراديو في خطاب حاول من خلاله تبرير ما سمي ب«التصحيح الثوري».
لم تكن ردة فعل الشعب بالقوية وان استمرت بعض المناوشات المناهضة للانقلاب لمدة شهر. وتمثلت ردة فعل أصدقاء بن بلة في الخارج في انتقاد رؤساء دول مثل فيدل كاسترو وجوزف تيتو الانقلاب، كما نظمت بعض المظاهرات في مصر والأردن. استمرت عزلة الجزائر غير الرسمية عربيا إلى غاية حرب يونيو 1967. وبالمقابل، كانت الولايات المتحدة أول من بعث برقية تأييد للإنقلابيين.
وتولى هواري بومدين رئاسة الجزائر حتى وفاته عام 1978، وشهد عهده تأميم قطاع النفط واسترداده من الشركات الفرنسية.
 وحكم رابح بيطاط لشهور قليلة بصفة رئيساً مؤقتاً بينما حكم الشاذلي بن جديد، لفترتين رئاسيتين مدة كل منهما 4 أعوام، خلال الفترة 1984-1992 وهو أول رئيس يُعاد انتخابه.
 كان بن جديد وزيرًا للدفاع من نوفمبر/تشرين الثاني 1978، وحتى فبراير/شباط 1979. وأصبح بعد وفاة هواري بومدين رئيسًا للجزائر خلافًا لما كان يعتقد أن يخلف بومدين في الرئاسة مرشحون مثل عبد العزيز بوتفليقة أو محمد صالح يحياوي. حيث كان بن جديد يحسب على أنه تحرري موالي للغرب. وأثناء فترة رئاسته، خفف من تدخله في الاقتصاد وخفف المراقبة الأمنية للمواطنين. في أواخر الثمانيات، ومع انهيار الاقتصاد بسبب انخفاض أسعار النفط بسرعة، اشتدت حدة التوتر بين أجنحة النظام الداعمين لسياسة بن جديد الاقتصادية من جهة. ومن المعارضين لسياسة بن جديد والمطالبين بالعودة إلى النهج المؤسس. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1988، اندلعت احتجاجات شبابية ضد بن جديد احتجاجا على سياسات التقشف مما أدى إلى انتشار اضطرابات هائلة في مدن وهران، وعنابة، وأخرى أدت إلى أن يقوم الجيش بقمعها بشكل وحشي وأدى هذا إلى مقتل المئات. وفي سعيه للبقاء سياسيًا، دعا بن جديد إلى الانتقال للديمقراطية والسماح بالتعددية الحزبية. على أية حال، تدخل الجيش الجزائري لإيقاف الانتخابات الديمقراطية من جلب حركة الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) إلى السلطة. مما أدى إلى استقالة بن جديد ودخول البلاد في حرب أهلية دموية وطويلة.
 وُصف بن جديد ب "أب الديمقراطية"، ولكونه صاحب طابع لين وسمح وأليف بدون عدوانية ولا تسلط. تمكن من توفير بيئة اقتصادية واجتماعية ملائمة، ترتبط ارتباطا وثيقا بالظروف الدولية المحيطة، التي تميزت حينها بالانفتاح على جميع الأصعدة.
وتُعد سنوات حكمه حلقة مفصلية في الحياة السياسية للجزائر التي ألقت بظلالها على جل القطاعات الأخرى، بإجراء تحول جذري نحو الديمقراطية والتعددية، بعدما استجاب دون تردد لرغبة الشعب.
 وحكم عبد المالك بن حبيلس ثلاثة أيام فقط بصفة رئيس مؤقت وسلم مهامه للمجلس الأعلى للدولة؛ وخلفه محمد بوضياف، الذي حكم لشهور قليلة بوصفه رئيساً للمجلس الأعلى للدولة ثم تسلم مهامه شهور من حكم جماعي؛ ولقي بوضياف مصيرا لم يسبقه إليه أي رئيس جزائري آخر، إذ اغتيل في يونيو عام 1992 أثناء إلقائه خطابا في مدينة عنابة.
 وكان بوضياف قد عمل برنامجا أو مخططا يلقي خطابات عبر جميع نواحي الوطن، وأثناء إلقائه خطابا بالمركز الثقافي بمدينة عنابة وبعد ترديد الرئيس بوضياف لعبارة: إن الإسلام يحث على العلم. لتنفجر قنبلة في المنصة الرئاسية وينتصب الملازم مبارك بومعرافي أمام الرئيس ويفرغ رصاصات رشاشه في جسد بوضياف ويرديه قتيلا في الساعة الواحدة زوالا من يوم التاسع والعشرين من يونيو 1992.
 وجهت أصابع الاتهام عند الرأي العام والخاص لعدة جهات معروفة عند وسائل الإعلام والصحافة الوطنية والعالمية فكل الناس يهمهم معرفة من قتل بوضياف. ويقولون من جاء به من المغرب هو من قتله (يعني الجيش) وهذا التفسير غير واقعي ولا يستند إلى دليل محسوس صحيح بومعرافي عضو في الجيش والجيش وقيادته فرحوا بمقدم محمد بوضياف لأنه قدم لهم إعانة كبيرة وليس للجيش أي فائدة في قتله، أي شخص حقيقة عنده نفوذ وعنده مسؤولية كبيرة يؤخذ هذا الأمر. ومن جهة أخرى اُتُهِمت الجماعات الاسلامية حيث أنّ بومعرافي معروف بميوله إلى الجماعات الاسلامية وتعاطفه معها.
وحكم علي كافي لنحو عامين بوصفه رئيساً للمجلس الأعلى للدولة واعتبر الرئيس الخامس للدولة. بينما حكم اليمين زروال، ولايتين رئاسيتين خلال الفترة 1994- 1999.
أما الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، الذي تسلم مهام منصبه في 27/4/1999 وأعيد انتخابه عام 2004 حيث حصل على نسبة 83.49% من أصوات الناخبين، وفي العام 2009 أعيد انتخابه لولاية رئاسية ثالثة حصل فيها على نسبة 90.24% بعد تعديل الدستور، فكان قد عين في يناير 2005 رئيساً لحزب جبهة التحرير الوطني. وهو من مواليد 2 /3/ 1937 مدينة وجدة المغربية ومن اصول امازيغية. وتقلد بعد الاستقلال في عام 1962 العضوية في أول مجلس تأسيسي وطني، ثم تولى وزارة الشباب والرياضة والسياحة وهو في سن الخامسة والعشرين. وفي سنة 1963 عين وزيراً للخارجية.
 وفي عام 1964 اِنتخبه مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني عضوا في اللجنة المركزية وفي المكتب السياسي. شارك بصفة فعالة في انقلاب 19 يونيو على الرئيس أحمد بن بلة، وصار لاحقا عضواً لمجلس الثورة تحت رئاسة الرئيس هواري بومدين.
 وكان أمراً لافتاً بعد إعلانه نيته دخول المنافسة الرئاسية في ديسمبر 1998 كمرشح حر. قبل يوم من إجراء هذه الانتخابات انسحاب جميع المرشحين المنافسين الآخرين (حسين آيت أحمد، مولود حمروش، مقداد سيفي، أحمد طالب الإبراهيمي، عبد الله جاب الله، يوسف الخطيب بحجة دعم الجيش له ونية التزوير الواضحة.
 وشهدت فترة رئاسته الأولى مشاكل سياسية وقانونية ومشاكل مع الصحافة وخرق حرياتها لصالح الصحفيين والحقوقيين، وفضائح المال العام مع بنك الخليفة وسياسة المحاباه في الحقائب الوزارية والصفقات الدولية المشبوهة حيث التلاعب في المناقصات من أجل شركات الاتصالات للهواتف المحمولة. لكنه حرص على تكريس مسار تشريعي للوئام المدني وتزكيته عن طريق استفتاء شعبي نال فيه مشروع الوئام أكثر من 98% من الأصوات.
وحقق الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، فوزاً كاسحاً في الانتخابات الرئاسية لولاية رئاسية رابعة التي أجريت في 17 نيسان 2014، فقد حاز نسبة 81 في المئة من الأصوات أي على تأييد أكثر من 8 ملايين ناخب من أصل 11 مليوناً شاركوا في الاقتراع، فيما حصل أبرز منافسيه علي بن فليس على نسبة 12.18 في المئة. وهو رئيس حكومة سابق، عضوا مؤسسا للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 51.7 في المئة، علماً ان نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية السابقة بلغت 74.11 في المئة. وهذا يعني أن نمواً كبيراً قد طرأ على ظاهرة "العزوف" عن المشاركة، والنجاح المتسارع لجهود حركة تدعى "حركة بركات" (كفى) التي عارضت علانية ترشح بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة.
وبترشحه لولاية خامسة وخوضه الانتخابات الرئاسيّة في 18 أبريل (نيسان)القادم يؤكد بوتفليقة كونه أطول رؤساء الجزائر حكماً، لكن كونه مريضاً منذ العام 2005، تثور رزمة شكوك وتساؤلات تدور حول مصير الجزائر في الولاية الرئاسية الخامسة، حتى في حال قصر مدتها حسب وعد الرئيس في خطاب ترشحه. حيث يُعتقد أن مرض الرئيس وكبر سنه لن أعاقا أداء الرئيس لمهام منصبه فقد فشل في "جزأرة" سابقة الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين ديلانو روزفلت، وهو الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية الذي أعيد انتخابه أربع فترات رئاسية من عام 1933 الى 1945 أصيب روزفلت وهو في لتاسعة والثلاثين من عمره بشلل الاطفال جعله حبيس الكرسي المتحرك حتى وفاته عام 1945، ولم تمنعه إعاقته من الحكم.
كما تعذر قيام بوتفليقة بدور غورباتشيف جزائري من جهة ومن جهة أخرى ثمة إمكانية أدائه لدور يلتسني التوجه في المستقبل المنظور. أي أن فترة رئاسته الخامسة ستجعله في منزلة الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن الذي دفعته حالته الصحية إلى ترشيح فلاديمير بوتين لخلافته. أو استنساخ السيناريو التونسي الذي تمثل في أن مرض وعجز الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة دفع زين العابدين بن علي إلى شغل منصب الرئيس. وهذا السيناريو ثمة مؤشرات محلية تؤيده وترفضه في آن معاً.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي