ليس صدفة أن تأتي الاحتفالات بأعياد( أكيتو ونوروز والفصح المسيحي&واليهودي واليزيدي) في فصل الربيع. هذه الأعياد، رغم طابعها الأسطوري&الملحمي وبعدها الديني والاجتماعي، ترتبط بتجدد دورة الحياة والانبعاث في&الطبيعة مع بدايات فصل الربيع. وليس صدفة، أن يظهر (السيد المسيح) في&"سوريا التاريخية"، حيث جرت أحداث "الدراما الإلاهية" الأكادية(البابلية- الآشورية). كما توضح لنا ذلك ، ملحمة (الخلق والتكوين)&البابلية "إينوما إيليش"، أقدم الأساطير الملحمية في التاريخ، وهي تفصح&عن (الميثولوجيا الآشورية)، وقد تركت بصماتها على مختلف (العقائد&الدينية) التي برزت لاحقاً في الشرق القديم . احتفالات الآكيتو كانت تبلغ&ذروتها بإعلان قيامة الاله "مردوخ " سيد آلهة بابل - أخذ أسم "إله آشور"&في نينوى- من الأموات في اليوم الثالث وتتويجه (الهاً ملكاً) على الكون.
هذا يؤكد الجذور( البابلية- الآشورية) لفكرة "تجسد الله" بصورة (إنسان –&المسيح) وبروزه &كـ"مخلص للإنسان " والاحتفال بذكرى انبعاثه للحياة في&اليوم الثالث بعد صلبه، وهذه تشكل جوهر "العقيدة المسيحية". احتفالات&الأكيتو كانت تُختتم بمسيرات احتفالية تطوف حول معبد سيد الآلهة (مردوخ-آشور)، تماماً ، كما يطوف اليوم (الحجاج المسلمين) حول الكعبة في مكة&المكرمة. ما نريد قوله مما تقدم ، أن (الأكيتو) ليس (عيداً دينياً&مسيحياً) كما يعتقد ويظن البعض. أنه اقدم الأعياد في تاريخ الشرق القديم.
يعود &الاحتفال به الى منتصف الالف الثالث قبل الميلاد في مدينة "أور"&السومرية (جنوب بلاد ما بين النهرين). الآشوريون (سرياناً كلداناً)، ورثة&الحضارة ( السومرية – الأكادية- البابلية) في (بلاد ما بين النهرين- بلاد&آشور)، يحتفلون بعيد الأكيتو(عيد رأس السنة البابلية- الآشورية) في الأول&من نيسان كأحد ابرز وأهم أعيادهم القومية. (الأول من نيسان القادم 2019&يوافق بداية العام الآشوري 6769 آ ) . بسقوط &الدولة (الآشورية -البابلية) على يد (كورش) الفارسي سنة ( 539 ق. م ) واحتلال (الفرس) لبلاد&ما بين النهرين، أخذت (الشعوب الإيرانية) في بلاد فارس، (الفرس ،الكرد&،الآذاريين ،البشتون، &وغيرهم)، &عيد الأكيتو عن (البابليين –&الآشوريين)، وبدأت تحتفل به &باسم(عيد النوروز أو النيروز في 21 آذار)&،يعني (اليوم الجديد )، ويعرف بـ"رأس السنة الفارسية"، وهو يوم الاعتدال&الربيعي (يتساوى فيه الليل والنهار). وعن الفرس انتقل عيد النوروز، أو&بالأحرى (عيد الأكيتو)، الى شعوب وأقوام ومناطق أخرى في غرب أسيا، مثل&(تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان) ولاحقاً&تركيا. (المصريون الفراعنة) يحتفلون بعيد الأكيتو باسم عيد ( شم النسيم).
كذلك ، يحتفل به الايزيدييون باسم (سري صال – راس السنة ) في الأربعاء&الأول من شهر نيسان ، يسمونه عيد ( الملك طاووس ) (إله الايزيديين) ،&المقتبس من الاله (تموز). &كذلك &يحتفل بعيد الأكيتو ( الصابئة&المندائيين والمانيين) (نسبة الى نبيهم ماني)، وهذه اقوام قديمة تتحدر من&أصول( أكادية - بابلية - آشورية ) . "الأكيتو"، المرتبط بتجدد الحياة&والخصب في الطبيعة، لقرون طويلة كان (عيداً عالمياً) تحتفل به الكثير من&شعوب المنطقة والعالم، وإن بأسماء ومواعيد مختلفة، قبل أن يتحولوا الى&الاحتفال ببداية (العام الميلادي) الجديد، في الأول من (كانون الثاني)،&بعد تحول الكثير من شعوب العالم الى المسيحية.
بعد اعتناق الآشوريين للمسيحية ، تَخلوا عن (الطقوس والشعائر) الوثنية،&المصاحبة للاحتفالات بعيد الأكيتو. لكنهم تمسكوا بهذا العيد العريق&وحافظوا عليه بما له ويحمله من قيم ودلالات إنسانية حضارية يعتز بها&الشعب الآشوري. رغم عسف النظام العروبي الدكتاتوري في سوريا واستمرار&سلطاته وأجهزته الأمنية بمضايقة وملاحقة واعتقال نشطاء وسياسيين آشوريين،&لثني أبناء (القومية الآشورية) عن الاحتفال بعيد الأكيتو ، أصر الآشوريون&السوريون (سرياناً كلداناً) على الاحتفال بعيدهم القومي (رأس السنة&الآشورية- البابلية)، بل عسف النظام، زادهم تمسكاً بأعيادهم ومناسباتهم&القومية وبتراثهم العريق، وأعطوها بعداً (سياسياً وطنياً) ليؤكدوا من&خلال الاحتفالات على خصوصيتهم التاريخية وعلى هويتهم الآشورية ولتسليط&الضوء على (القضية الآشورية)، وهي جزء من القضية الوطنية السورية العامة.
في السنوات الأخيرة ، بدأ عيد "الأكيتو" يشق طريقه شيئاً فشيئاً الى&العديد من المناطق والمجتمعات السورية ، ليصبح عيداً شعبياً وطنياً&سورياً، يحتفل به السوريون بمختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية والسياسية&هذا يعكس صحوة وطنية بتاريخ وتراث سوريا القديم وإعادة الاعتبار لهذا&التراث السوري الأصيل، الذي طمسته وهمشته الحكومات العربية الشوفينية&باختزالها الهوية الوطنية لسوريا بـ"العروبة والإسلام" وتعاطيها مع كل&تراث سوري أصيل ما قبل العرب المسلمين، بعقلية (الغازي المحتل)، الذي&يعمل لطمس ودفن تراث وثقافة ولغة (الشعوب الأصيلة)، التي يستعمرها. من&المقرر أن ترعى (وزارة السياحة السورية) في نيسان القادم( 1 نيسان 6769 آ) &احتفالاً بعيد (الأكيتو) بصفته( راس السنة السورية) في بلدة (جبعدين )&وهي بلدة آرامية سريانية عريقة أهلها غالبيتهم مسلمون يتحدثون الآرامية&القديمة. إذا ما جرى هذا الاحتفال ، نأمل أن تكون خطوة مهمة على طريق&تصالح سوريا مع تاريخها القديم و مع تراثها (السرياني الآشوري) العريق.
الآشوريون السوريون لا يجدون معنى ولا قيمة لأي تغير يحصل في سوريا ،&مالم يقر الدستور الجديد للبلاد بالآشوريين كـ(شعب سوري اصيل) ويعترف&بخصوصيتهم الثقافية واعتبار (اللغة السريانية) (لغة وطنية لسوريا&الجديدة) الى جانب العربية، كما كانت (لغة وطنية لسوريا القديمة) التي&أخذت اسمها عن (السريان الآشوريين) . دستور وطني ديمقراطي ، يشرعن عيد&"الأكيتو" (عيدًا وطنياً سورياً) كما كان في الماضي، بأصوله وجذوره.
&

&باحث سوري مهتم بقضايا الأقليات.
[email protected]