مايزال الكثير من الناس يعتقد أن العادات والتقاليد هي القيم.

فالقيم الأخلاقية ثابت منذ الأزل عند كل الشعوب وفي كل الأعراف والأديان والثقافات وهي قيم عظيمة ماتقيد بها شعب أو أمة في الحد الأعلى النسبي إلا وصنع حضارة. بينما بعض العادات والتقاليد لاتعدو سوى قيم أخلاقية سلبية ومناقضة للقيم الأخلاقية الإجابية.

فالكرم، قيمة لفضيلة أخلاقية عظيمة ولكن عندما يتحول بفعل التقليد السلبي الى عادة إسرافية أو تبذيرية، فإنه يصبح رذيلة كما صورها القرآن عندما أبلغنا أن المبذرين إخوان الشياطين، وأن الله لا يحب المسرفين.

وعادة ما ينشأ التقليد السلبي في المجتمعات الأقل وعياً وحضارة ليصبح مع مرور الوقت عادة محمودة رغم سلبيته وسوء فعله.

ولنقس على فضيلة الكرم كل الفضائل عندما تتحول الى رذائل بفعل تقليد مجتمعي غير واع تحول الى عادة يمجدها المجتمع.

هكذا فسر إفلاطون الفرق بين الفضيلة والرذيلة، حيث قال أن كل فضيلة تقع بين رذيلتين.

ففضيلة الكرم تقع بين رذيلتي الإسراف والبخل.

وفضيلة الشجاعة تقع بين رذيلتي الجبن والتهور.

وعندما نرى متهوراً يقود سيارته بسرعة عجيبة يتجاوز بها كل السيارات بما يهدد سلامة الناس، وينحرف بها من جانب الى آخر، حتى تصبح تلك الظاهرة عادة عند من يقلدون بعضهم البعض، فإن ذلك يدلنا على أن التفسير الخاطيء للرجولة والشجاعة يمنح المتهور الذي يعاني من فقر أخلاقي وتربوي ومعرفي وعقد سلوكية مزمنة، أن يستغل جهل المجتمع وقلة وعيه الحضاري وتفسيره الخاطيء لقوة الشخصية فينفس عن أمراضه بما يؤذي الآخرين.

فلا تجد في المجتمعات المتمدنة من يقود سيارته بتهور واستهتار بالشارع،لأنه مشبع بقيم إحترام الآخر والمنجزات الحضارية، ناهيك عن قوة القانون التي تحمي الذوق العام والسلم الداخلي.

وكلما رأينا إنساناً يسيء للطريق ويهدد سلامة الناس فلابد أن ندرك أن ذلك الإنسان يعاني من فقدان إحترام للذات وتجب معالجته فوراً وليس معاقبته.

وعندما تتكرر الحادثة وتصبح عادة وتقليد فلابد أن وباءً قد حل بالمجتمع.

لذلك، فإن نقد العادة والتقليد أمر إيجابي وصحي عند المجتمعات الواعية والحالمة التي تطمح لبناء واقع أكثر تمدناً وتطوراً، بينما نجد أن المجتمعات الأكثر تخلفاً تضفي شيئاً من القداسة على عاداتها وتقاليدها، دون أن تميز بين الغث والسمين، بين الصالح والطالح، وبين الفضيلة والرذيلة.

ولأنها تخلط بين العادات والقيم، فتعتقد أن كل عادة قيمة أخلاقية وفضيلة مقدسة.

بل أن المجتمعات الأقل وعياً وتمييزاً بين العادات والقيم، تصنع من العادات ديناً يحرم ويحلل حسب التقليد السائد والعادة المسيطرة على عقل ووجدان المجتمع التقليدي القطيعي الذي يرفض استخدام العقل المتفرد بتفكيره المستقل.

وبسبب قلة الوعي المعرفي وانعدام التفكير المستقل خارج زريبة القطيع، وإنحسار القيم الأخلاقية التي يجب أن تقدس فضيلة الشجاعة في الدفاع عن الحق وليس في الهجوم عليه، تعتقد المجتمعات التقليدية أن اللص شجاع وتسميه ذئباً وسبعاً يعتقد أن التعدي على حقوق الناس فضيلة.

وبما أن الأدب يعتبر جوهر الأخلاق، فإن قلة الأدب واستخدام عبارات السب والشتم واساليب الحسد والغيرة وغيرها من السلوكيات السلبية والضارة بحياة المجتمع تزدهر في المجتمعات التي تسيطر عليها العادات السلبية أكثر من تمسكها بالقيم الأخلاقية العظيمة.

فتسمع رجال دين يعظون مريديهم بما يدعوهم للكراهية والبغضاء حتى تصبح الكراهية تقليداً بإسم الدين يتحول مع مرور الوقت الى عادة مقدسة تجر المجتمعات الى ممارسة العنف والإرهاب.

ولو كان للعقل القطيعي فرصة أن يستقل برأيه خارج سرب القطيع المغشى عليه لتساءل :

كيف يكون قتل الناس الأبرياء، فضيلة تقود الانسان للدخول الى الجنة؟

لكن التفكير الجمعي عندما يتحول في أداءه الى عادة، فإنه يرغم ملكة الفكر أن تتحول من فضيلة إلى رذيلة يتم استخدامها أسوأ تفكير حتى تصبح مع مرور الزمن عادة يتكرر تطبيقها في أمكنة مختلفة وكأنها قيمة أخلاقية عند من يرتكبها بكل إصرار وقناعة.

حتى القيمة الأخلاقية للأمانة والعدالة، كثيراً مانسمع عن حالات تسيء لقيمة الأمانة عند موظف يمارس فساداً إدارياً ينفع به غيره تحت مسمى عادة( الفزعة)

ولكن بما يضر بمصالح غيره.

ونسمع عن من فرط في أداء دوره في مكان يمثل دور العدالة فيهمل أمور الناس وقد أصبحت مخالفته لما تأمر به فضيلة العدالة عادة تدفعه أن لايكون نزيهاً أو أميناً أو منضبطا.

قد يقول البعض، لكن إرتكاب الجريمة لايخص مجتمعاً بحاله، بل هو واقع تعيشه كل المجتمعات على مر العصور والحضارات، وهذا شيء مؤكد.

لكن الجريمة كحالة منبوذة وشاذة أخلاقيا وثقافياً في مجتمع ما، ليست كالجريمة في ثقافة لدى فئة ما تعتبرها فضيلة تأخذ بمرتكبها نحو الجنة.

وأعتقد أن الجريمة لا تقتصر في إرتكاب القتل فقط، بل أنها تشمل كل شيء يعكر صفو دقائق الحياة، ويشوه جماليات الطبيعة، وكل ما يبث الضجيج والقبح والخرافة لتشويه وجدان الإنسان وحرف مسار التفكير السليم ليرى الأمور في صورة مقلوبة عكس واقعها الطبيعي.

والأخطر : عندما يصبح الإساءة لكل جماليات الحياة، عادات تشاهدها تسير معك وتهدد أمنك وسلامتك ويعتقد من تتلبسه تلك العادة المرضية أنه يمثل قيمة أخلاقية تبرزه كشجاع يعاني من نقص كرامة، أو ككريم يعاني من بخل معرفة، أو كقوي يعاني من عجز فكري يمنحه القدرة على العيش كإنسان بعقل وقلب.