في نهاية عام 1987 و مع بدء ترجيح كفة العراق في الحرب ضد إيران والتي دامت ثمانية اعوام ,جمع الدكتاتور صدام حسين كعادته مرتزقته من ( كبار الجحوش ـ الصداميين الكورد وامراء المفارز الاستخباراتية الخاصة (1 ) وازلامه العسكريين الكبار كمجموعة مجرمين قتلة يحملون مسدساتهم ويسجلون في دفاترهم كلما يتفوه به رئيسهم المعتوه , لقد تفرغ (صدام حسين ) لمعارضته بعد ان اخذت من كوردستان مكانا لتواجدها العسكري , و اعطى فرمانا دمويا جديدا لبدء حملة عسكرية واسعة و شرسة واختار لها اسم (الانفال) (2 ) ونصب ابن عمه على حسن المجيد ( علي الكيمياوي ) المعروف بشراسته قائدا على تلك الحملة العسكرية للابادة البشرية .

ومن يدقق خطابات هذا المجرم اثناء عملية الانفال وبعدها يلاحظ شراسته ودمويته وساديته ومستواه الضحل الذي يناسبه كشخص منحط ومنبوذ ومجرم لا يعرف غير القتل والتعذيب و الشتم وهتك الاعراض.

قبل تنفيذ حملة الإبادة الجماعية ( الانفال ) اجتمع (على الكيمياوي) بقادته العسكريين منهم :( نزار عبد الكريم الخزرجي و اياد خليل زه كي و سلطان هاشم احمد وبارق الحاج حنطة و قادة الحرس الجمهوري وقوات المغاوير من الفيلق( 2 , 3 , 6 )و لواء قوات الخاصة( 65, 66 )و لواء الفيالق( 2 , 3 , 4 , 5 , 6 , 7 )و كل السرايا و (الافواج الخفيفة )من الجحوش المرتزقة الذين باعوا ضمائرهم واصبحوا عبيدا لنظام لم يعرف سوى القتل و الدمار وطلب منهم ان ينجزوا هذه المهمة ( المباركة ـ مهمة دحر الخونة و العملاء و المخربين ) و اعتمدوا بالدرجة الاولى على الجحوش كادلاء لهم في منطقة كوردستان .

بدات الحملة الشرسة الاولى في 23 شباط 1988 والتي شملت (منطقة السليمانية وتحيدا (منطقة سركه لو) , ثم قره داغ وبازيان ودربنديخان و ﮔﺭميان و عسكر وﮔوﭙﺘﭙﻪ و شقلاوه ورواندز ). وكانت المرحلة الاخيرة (انفال بهدينان ) والتي عرفت في قاموس النظام البعثي الفاشي بـ( خاتمة الانفال ) ، التي بدات من 25 / اب 1988 لغاية 6 / 9 من نفس العام , و تم خلال ثماني مراحل دموية وهمجية انفلة اكثر من( 182 ) الف مواطن كوردستاني عزل و تشريد الاف العوائل وسوقهم الى سجون ومسالخ و معتقلات البعث الفاشي و تم هدم الاف القرى الكوردستانية و حجز الذكور فقط ,و دفنهم لاحقا وهم احياء في قبور جماعية واستخدمت في هذه الحملات الهمجية كل انواع الاسلحة المحرمة دوليا و منها غازات السيانيد و الخردل و الفوسجين القاتلة.

لم يكتفي (علي الكيمياوي) بالقصف الكيمياوي بل اتبع سياسة الارض المحروقة، حيث تم حرق مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية وجرت عملية التهجير القسرية وتم اسر الاف العوائل وجرى نقلهم الى المناطق الصحراوية في جنوب العراق مثل سجن( نقرة السلمان ) الاكثر من سيئ الصيت او حجزوا في المجمعات القسرية المحيطة بمعسكرات قوات صدام القمعية .
اضافة الى جرائم مرعبة شاهدتها بام عيني اثناء مجازرالانفال في مناطق (بهدينان ـ خاتمة الانفال ) عندما كانت تُفجر الينابيع و الكهوف و تُهدم الجوامع و القرى وتُحرق البساتين و تُقتل الطيور و الحيوانات كنت ارى العوائل وهم في حالة يرثى لها وكثير من هذه العوائل مات اطفالها في الطريق جوعا خوفا او تعبا . كانت الطائرت و المدافع تقصف عشوائيا وكانت الراجمات تحرث الارض الآمنة التي حولتها الى جحيم لا يطاق , كان الدخان يتصاعد الى السماء وكانت السموم تنتشر . . لقد كانت اياما مليئة بالحزن و الاسى و الفراق.

الى متى؟

منذ سقوط الصنم ونحن نطالب بمحاكمة كبارالجحوش( الصداميين الكورد ) المتورطين في جريمة الانفال اسوة بـ(صدام حسين وعلي الكيمياوي وسلطان هاشم) واخرين الذين شاركوا واجرموا بحق ابناء شعبهم وارضهم و كرامتهم واصبحوا عملاء وادلاء للخيانة وخاصة في الحملات العسكرية الشرسة للقوات العراقية على قرى و قصبات ونواحي كوردستان قبل وبعد عملية الانفال اكثر من سيئة الصيت....ولكن دون جدوى .

ويبقى الأسئلة التي تراود اهالي الضحايا والمؤنفلين والشهداء كل ليلة :

الى متى تقوم حكومة الإقليم بتوفير الحماية الكاملة لهؤلاء الجحوش المتورطين في جريمة الانفال و لعوائلهم وخاصة الذين صدرت بحقهم مذكرات الاعتقال من قبل المحكمة العراقية الجنائية العليا في قضية الانفال ( الابادة الجماعية ) ؟ الى متى يبقى هؤلاء الوحوش احرارا ينعمون بحياة رغيدة ولمصلحة من ؟ متى ترفع (الحصانة الحزبية )عن هؤلاء المطلوبين للعدالة ؟ الى متى تستمر معاناة عوائل ضحايا المؤنفلين الذين افنوا اجمل سنوات حياتهم في الانتظار وهم يرون (الجحوش وامراء مفارز الامن والاستخبارات ) من كبار ازلام صدام وعملائه الذين انفلوا احبائهم , فلذات اكبادهم يصولون ويجولون بسياراتهم الفخمة في الإقليم ويعيشون فى رفاهية لا توصف ، بينما تعيش عوائل الضحايا في الإنتظار والترقب و الحزن والفقر ؟

لماذا لم يتم لحد هذه اللحظة التنسيق مع الحكومة الاتحادية والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية لاحالة منفذي عمليات الإبادة الجماعية وتحديدا ـ كبار الجحوش و(امراء المفارز الخاصة )ممن خدموا النظام البعثي الفاشي وشاركوا كبار ازلام النظام في جرائمهم بحق ابناء جلدتهم الى المحاكم المختصة للقصاص منهم وفقاً لما جاء في ( الفقرة الثامنة من المادة 2 من قانون وزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين لاقليم كوردستان العراق رقم 8 لسنة 2006 )؟ الا يعني اتلاف و( انفلة) المذكرات القضائية التي اصدرتها المحكمة العراقية الجنائية العليا بحق (الصداميين الكورد) لتورطهم في سلخ و إبادة ابناء جلدتهم في الانفال الاكثر من سيئة الصيت |,الا يعني ذلك نسفا للعدالة ولحقوق الانسان في العراق بشكل عام وفي الإقليم بشكل خاص.

———-

*كنت احد شاهدي تلك الجريمة البشعة ( الانفال ـ الابادة الجماعية )ورايت بام عيني الموت الحقيقي و رايت الذي لا يمكن نسيانه ابدا , كنا مهددين حقا بالموت ومحاصرين بقوات الجيش و القوات الخاصة و بالجحوش المرتزقة الذين باعوا ضمائرهم واصبحوا عبيدا لنظام لم يعرف سوى القتل و الدمار , شهدت ماساة شعب باكمله ولن انسى اولئك الاطفال الذين ماتوا في الطريق عطشا و جوعا و خوفا , لن انسى الاطفال الذين تركتهم عوائلهم التي لم يبق بيدها حيلة او امل ....., كان شبح الموت يطاردنا من قرية الى قرية و من جبل الى جبل , الانفال كانت يوم القيامة , يوم الحشر و الحساب كما كان القرويون البسطاء يعبرون.

1 ـ الجحوش , ( افواج ا لدفاع الوطني او الافواج الخفيفة ), بلغ عدد منتسبيها اكثر من (450 ) الف مسلح (وفق صحيفة الثورة الصدامية الصادرة في 21 /3/ 1985 ) اي اكثر من ( 500 ) فوج حسب تصريح المتهم سلطان هاشم قائد عمليات الانفال ...., لقد شاركوا هؤلاء الجحوش المرتزقة القوات العراقية في القتل والذبح والابادة ... وسهلوا لهم الدخول الى قرى وقصبات ومدن ونواحي كوردستان الامنة ونفذوا جميع المهام الموكولة اليهم على افضل وجه و ارتكبوا ابشع الجرائم بحق ابناء شعبهم وبحق تراب وطنهم وكان لهم دورا متميزا وكبيرا في عمليات الإبادة التي تعرض لها الشعب الكوردستاني على يد الحكومات العراقية المتعاقبة ولولاهم لما كانت الخسائر بهذا الحجم وبهذا الشكل.

2 ـ (الانفال ) : هو اسم لاحدى السور في القران و يعني السلب او الأستيلاء على الغنيمة في حرب المسلمين ضد المشركين , اختار الدكتاتور صدام حسين هذا الاسم لتشجيع قواته وتبرير شراسته و لتذكير جنوده بالغنائم و بالاستيلاء على الممتلكات والتي تؤول اليهم مجانا بقرار منه شخصيا...
تعتبر جريمة الانفال ( الابادة الجماعية ) ـ من الجرائم الشنيعة التي راح ضحيتها اكثر من 182 الف مواطن كوردستاني خلال فترة زمنية قصيرة , و (100 الف باعتراف المجرم علي حسن المجيد) احد ابرز اقطاب هذه الحملة الشرسة , اضافة الى تدمير عشرات المدن ومئات القصبات و الاف القرى الكوردستانية , وكان علي حسن المجيد الملقب ﺒ( على الكيمياوي ) احد ابرز المجرمين في تلك العملية الوحشية .
شملت الانفال 8 مراحل دموية : المرحلة الاولى بدأت في ( 23 شباط واستمرت لغاية 19 اذار 1988) وشملت منطقة السليمانية، (سركه لو) , المرحلة الثانية : بدأت في ( 22 اذار لغاية 1 نيسان) وشملت منطقة قرداغ، بازيان ودربنديخان , المرحلة الثالثة : بدأت في 20 نيسان , وشملت منطقة كرميان، كلار، باونور، كفري، دووز، سنكاو، قادر كرم , المرحلة الرابعة بدأت في ( 3 ايار واستمرت لغاية 8 ايار ) وشملت منطقة (كويه وطق طق وآغجلر وناوشوان ), المرحلة الخامسة والسادسة والسابعة: بدأت في 15 ايار واستمرت لغاية 26 اب وشملت محيط (شقلاوة وراوندز )
المرحلة الثامنة والتي عرفت بـ(خاتمة الانفال) : بدأت في 25 اب واستمرت لغاية 6 ايلول 1988 وشملت منطقة (بادينان، آميدي، آكري، زاخو، شيخان، دهوك ) .