قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أكثر مِن قرن مَر على واحدة مِن أبشع عمليات الإبادة والتطهير الديني والعرقي التي شهدها القرن الـ20، ألا وهي جريمة إبادة الأرمن التي إرتكبها الإنسان بحق أخيه الإنسان، مَوهوماً بدافِع ظاهره الدين وباطنه إشباع غرور المجد والسلطة لشلة معتوهين من سلاطين آل عثمان، ومن يحيط بهم من وعّاظ ومُتملقين، لإحياء أمجاد إمبراطورية كانت تتهالك بعد أن نخر أساساتها فساد ساستها وفقر رعاياها وتخلف أدواتها. أكثر مِن قرن ولازال الإسلام سلعة يتاجر بها حفنة مجانبين وشذاذ آفاق، دون أن تصحوا ضمائر الشعوب وتنتفض عقولها لإصلاح حالها. مجزرة لا زال مرتكبها ينكر حدوثها، ويرفض الإقرار بها بكل وقـاحة ولا إنسانية، لا بل ويعتبرها حدَثـاً طبيعياً وتحصيل حاصل!

عموماً ليس غريباً عدم إعتراف وإقرار المجرم بجريمته، لكن الغريب والمخزي هو وجود تلك الشرائح الواسعة بمجتمعاتنا، التي تُكَذِّب وتنكر وتبرر مذابح الأرمن واليهود والعرب والأكراد والتركمان والآشوريين والمسلمين واليهود والهندوس والسنة والشيعة والبهائية والخ الخ.. من الأديان والطوائف والأعراق، التي حدثت في مراحل تأريخية مختلفة سواء في بلدانها أو في أي بقعة أخرى من العالم، أو تطعن وتشكّك بها لأي سبب كان، كأن يكون كرهها وإستصغارها لهم وتعاليها عليهم، لظنها بأنها أنقى منهم عرقياً، وأصلَح منهم دينياً وطائفياً، وغيرها من الهلوسات التي زرعتها فيهم بيئاتهم المريضة، أو كونها تنتمي لنفس طائفة أو عرق أو دين المسوخ الذين قاموا بهذه الجرائم والمجازر، أو ربما تقديسها لشخصية السفاح المعتوه الذي أمر بها أو إعجابها وهوسها به.

الموقف المخزي لأغلب شرائح مجتمعاتنا، المتناقض تارة، والمنحاز تارة أخرى، تجاه مجزرة الأرمن على يد الدولة العثمانية، وهولوكوست اليهود على يد هتلر، ومجرة قصر الرحاب على يد العسكر، وتهجير صدام للكرد الفيلية وغزوه للكويت وأنفلته للأكراد قبلها وقمعه للشيعة بعدها، والإبادة الجماعية التي مورست ولا تزال ضد سنة العراق على يد مليشيات ايران بعد 2003، وتنفيذ المالكي لمجازر الزركة والحويجة والمقدادية وتسليم الموصل الى داعش وتسببه بجريمة سبايكر، وعملية التطهير العرقي التي تعرض لها الإيزيديون والمسيحيون والصابئة على يد أحزاب الإسلام السياسي الشيعي الحاكمة وعصاباتها وما أفرزته من تنظيمات إرهابية كالقاعدة وداعش، كلها أمثلة إن دَلّت على شيء، فعلى إنعدام إنسانية الشرائح التي تنكرها وتبررها، أو وجود خلل فيها، يفترض بها أن تسعى لإصلاحه وعلاجه، وإلا ستستمر هذه المجازر والإبادات وتتكرر، لأن مثل هذه الشرائح المجتمعية ستستمر بإنتاج أفراد مُختَلّين يقررون القيام بها، وقطعان تنفذها لهم ثم تدافع عنها وتبررها لهم!

الدليل على ذلك هو ما شهدناه في العراق بعد 2003، وتحديداً عام 2015، أي بعد قرن على مجازر الأرمن، من عملية إبادة وتطهير عرقي وطائفي وديني شبيهة لإبادة الأرمن لكن بإسلوب مختلف، وبدافع ظاهره الدين أيضاً، لكن باطنـه التوسع وتنفيذ مخطط قـذر لإحيـاء الإمبراطورية الفارسية، وهي تُرتكب اليوم بحق بناة حضارات العراق الاولى، وبحق محافظاته الغربية وسكانها الذين يمثلون مكون أسـاسي من مكونات دولته المدنية الحديثة، وبحق كل من يتصدى لهذا المخطط ويسعى لكشفه مهما كانت طائفته وقوميته ودينه! ففي العراق يتساقط يومياً ومنذ سنوات أناس أبريـاء، ضحـايا لصراع عبثي فَجّره هَوَس نخب إسلام سياسي شيعية وسنية فـاسدة وأسيادها المعتوهين القابعين في طهران واسطنبول، ممن يَحلمون بإحياء أمجاد امبراطوريات بائدة على حساب العراقيين الذي باتت أرواحهم وأرضهم وخيرات بلادهم حطباً لهذا الصراع.

كل حكومات وشعوب العالم التي تحترم نفسها وإنسانيتها إعترفت بجرائم من سبقوها من ابناء جلدتها تجاه الآخرين، أو حتى تجاه شركاء لها في الوطن يختلفون عنها عرقياً ودينياً وطائفياً طالتهم هذه الجرائم يوماً، كما فعل الأمريكان مع الهنود الحمر، والفرنسيون مع الجزائر، والإيطاليون مع ليبيا، وغيرها كثير من الأمثلة التي تثبت أن من قاموا بها أناس باتوا أسوياء. على العكس من مجتمعاتنا التي تثبت يوما بعد آخر غربتها عن القيم الإنسانية وإنتمائها لشريعة الغاب وغرائزها البدائية التي باتت ظاهرة وواضحة وضوح الشمس، والتي قد يخفيها البعض أحياناً خلف ستار ورع ديني أو شهادة أكاديمية، إلا أنها سرعان مع تكشر على أنيابها عند اول رد فعل لها على أحداث الماضي أو الحاضر، لتفوح منها رائحة التعصب الطائفي والعرقي والديني الذي وأد مَدَنيّتها التي كانت تحبو كالطفل، وأعادها الى حياة العصور المظلمة، وقد يعود بها يوماً الى عصر النياندرتال!