خسرو علي أكبر من باريس:تعتبر الديانة الزراتشتية واحدة من الديانات القديمة التي حافظت على معتقداتها المبنية على تعاليمروحية تولي أهمية كبيرة للحياة الآخرة والايمان بالجنة والجحيم،وهي ذات التعاليم والرموز الموجودة في الديانتين المسيحية والاسلامية،وبسبب الارغام القسري على اعتناق الديانة الاسلامية والضغوط والمصاعب التي تعرض اتباع الديانة الزراتشتية تقلّص عددهم في ايران الى حوالي 60 ألف نسمة.
وقد أشاع المؤرخون العرب وبدوافع عنصرية الكثير من المفاهيم المغلوطة والتحريف المقصود لتشويه هذه الديانة التوحيدية، والتبرير للجرائم البشعة التي ارتكبها الغزاة العرب باسم الاسلام ضد اتباع النبي زراتشت.فقد أشاعوا كذبا ان المجوس هم من عبدة النار، وترسخت هذه الاشاعة في أذهان العرب حتى ص
ار من الصعب اقناعهم بأن الديانة الزراتشتية هي ديانة توحيدية تؤمن بالله.يقول الموبد كوروش نيكنام في هذا الصدد: أطلق زرادشت حركته الاصلاحية حينما عن دعوته لعبادة اله واحد إسمه quot;اهورا مزداquot;. واعتقد زراتشت انه لايمكن لله ان يقف وراء الشرور في العالم. وبذلك شطب الشياطين من منزلة الآلهة، وتأسيسا على ذلك لامكان ولامعنى للتثنية في الديانة التي دعا اليها اشور زرتشت، بل لقد أشاع هذا النبي العظيم مبدأ التوحيد، أي الايمان بوجود إله واحد هو مصدر الخير والجمال. ويمكن القول ان اشورزرتشت هو من مؤسسي التوحيد في عصره.اما عن مكانة النار في المعتقد الزراتشتي فيرى الباحث والموبد كوروش: كانت معابد النار تجاور الينابيع والعيون سواء في ايران او الهند ولما كان للنار ظهور وحضور أبرز من حيث النور والحرارة وطهي الطعام كان الناس يتوافدون للمعابد لأخذ قسطا منها الى بيوتهم ولذا اكتسب هذا العنصر قدسية أكثر بالمقارنة مع العناصر الاخرى. من المحتمل أن أشوزرتشت كان يذهب في صباه الى المعابد كي يجلب النار الى بيت والدته. وحينما بلغ مرحلة النبوةوتجلّى له سر الوجود اعتبر الضياء مقام حضور الاله وتجليه، وهذا ما يشبه قول القرأن الكريم quot;الله نور السموات والأرضquot;، اننا نناجي الله ونحن متجهون صوب النور ومن هذا النور ضوء الشمس والقمر اما نور القلب فهو الأكثر أهمية، يقول حافظ الشيرازي:
يكرمونني في معابدهم
لأن النار التي لاتموت أبدا، مخبوءة في القلب.
علينا الاهتمام بنور قلوبنا وارواحنا ونتذكّرها ونحن نلهج بالأذكار والمناجاة. على أن هذه الرؤية لم تسلم من بعض التحريف. فزرادشتيو الهند وبسبب نوع من التواصل مع الافكار الهندوسية صاروا يقدّسون مجامر النار مثلما يقدّس الهندوس آلهتهم ويقبّلون عتبة وأرض المعبد ويضعون أياديهم على صدورهم أثناء اقترابهم من المجمرة، ولا تعني كل هذه التفاصيل الطقسية عبادة النار. أن الشئ الوحيد الذي أوصى به اشوزرتشت عن النار هو أن نلهج بالذكر والدعوات أثناء السير نحو مصدرها.
أما الباحث والمؤرخ الدكتور تكميل همايون فقد تطرق في حوار خص به ايلاف الى دور الديانة الزرتشتية في الثقافة الايرانية وقد ذكر أن الديانة الزرتشتية هي الديانة الوطنية للايرانيين وان الغزو العربي لبلاد فارس لم يقض على هذه الديانة بشكل تام، خصوصا وان عشرات المعابد الخاصة بالزرتشتية كانت منتشرة في ارجاء ايران في القرنين الثالث والرابع للهجرة، والأهم من ذلك ان كتاب دينشرت المقدس والذي يحوي على الآداب والمراسيم الخاصة بالعبادة تمت كتابته في العهد الاسلامي.ولاينفي الدكتور همايون الممارسات الوحشية التي ارتكبها الاعراب باسم الاسلام ضد الزراتشتيين في مقاطع تاريخية محددة، ويرى أنها كانت السبب في هجرة الكثير من الزراتشتيين الى الهند، فيما أصر أخرون على البقاء في وطنهم ايران وشيدوا العديد من المعابد مازالت موجودة في اقليمي يزد وكرمان، وحسب الدكتور همايون فقد تحسّنت أوضاع الزراتشتيين بعد الثورة الدستورية عام 1906،وانتقل عدد كبير منهم الى العاصمة طهران وبنوا معابد خاصة بهم في أحياء متفرقة من العاصمة كمعبد فيروزبهرام.كما أسسوا في الفترة ذاتها لصحف ومجلات خاصة بهم مثل فرخ وهن فروهر، چيستا، وهومن، امرداد، پارسيان، اشا،وثمة انجاز آخر ساهم في تسليط الضوء على المعتقد الزراتشتي تمثّل بتدريس اللغة البهلوية quot;الفارسية القديمةquot; وكتاب الأفستا المقدس وكتب دينية اخرى في جامعة طهران وجامعة تبريز وجامعة شيراز.
يعتبر الشعب الايراني الزراتشتية دينه التاريخي القديم ولهذا السبب يكن له احتراما خاصا، وهذا لايتنافى مع ايمانهم بالاسلام،ان المؤسسات الاسلامية تساهم بدورها في نشر الكتب الدينية الزرتشتية وقد قامت مؤسسة الآستانة الرضوية في مدينة مشهد وهي واحدة من أكبر المؤسسات الاسلامية في ايران بترجمة ونشر الكتب الزرتشتية.
يضيف الدكتور همايون quot;ليس صحيحا أن الفرس كانوا من عبدة النار، الزراتشتية صارت دينا رسميا للبلاد في عهد الساسانيين، والنار كانت رمزا وآية للكهارة والنور، الزرتشتية تشهد بوجود إله واحد، ولم يعبدوا النار أبدا، النار في معتقدهم آية من آيات الله مثلما هو الحال مع الابل في الدين الاسلامي الذي ورد كآية من آيات الله quot;أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقتquot;.
وللزراتشتيين مدارس خاصة في طهران ومدن ايرانية اخرى كما يحق لابنائهم اتمام تحصيلهم الأكاديمي في المدارس العامة، وقد حصل الزرتشتيون على حقوق المواطنة التامة منذ ثورة المشروطة عام 1906 والتي انضم اليها عدد من الشخصيات الزرتشتية البارزة، كما كانوا الرواد في ادارة البنوك وتأسيس شبكات الكهرباء والاتصالات والهواتف في المدن اضافة الى دور كبير وبارز في مجالي العمران والصحة،وتعتبر الأقلية الزراتشتية أقلية نموذجية اذ تنعدم الأمية في صفوف أبنائها،وتحتل المرتبة الأولى من ناحية عدد الأطباء والمهندسين،. وتعتبر هذه الأقلية من الأقليات المكونة للمجتمع الايراني حسب دستور الجمهورية الاسلامية.ويمثل هذه الأقلية نائب واحد في البرلمان الايراني.
شهادات السواح الاوربيين
كتب عدد من السواح والرحالة الأوربيين انطباعتهم وملاحظاتهم عن الزراتشتيين أثناء زيارتهم لايران في العهد الصفوي،وربما كان أشهرهم الرحالة تاور نيه الذي زار ايران بين عامي 1632 و1668 ووضع مؤلفا ضخما عن ايران جاء فيه:quot;لقد شيد شاه عباس الصفوي هذا الجسر quot;سي وسه بل على نهر زاينده روquot; بسبب عمق النهر في هذه البقعة وضياء الماء وجمال المنظر، ولأنه أراد أن أن يسهّل طريق الزرتشتيين الى اصفهان،وقد كان حيهم السكني المعرف محلة كبرها تقع على محاذاة النهر quot;.ويكتب تاورنيه في مكان آخر:quot;من بين الاديان العديدة في ايران هناك ثلاثة منها تحتل المراتب الأولى من ناحية العدد، الدين الاسلامي وهو دين البلاط ودين أغلبية الايرانيين، ودين الكبرها quot;الزرتشتيينquot;وهو دين الايرانيين قبل الاسلام، والدين الثالث هو دين الأرامنة من المسيحيين الشرقيين ومركزهم في حي جلفا باصفهان، وقد توقفت كثيرا في مدينة كرمان حيث يتواجد فيها أكثر من عشرة الاف زراتشتي لدراسة عاداتهم وتقاليدها والتعرف الى أهم معتقداتهمquot;.
الزرتشتية نيتشه والحداثة
ويرى بعض الباحثين أن الدين الزرتشتي هو دين ينسجم مع روح العصر ولايتضاد مع الحداثة نظرا لخلوه من القواعد والمقررات التي تعيق حركة الفرد، وأن الأوامر والنواهي مثبتة في صيغة كلية وتكاد تنحصر بنصائح عامة تؤكد على سلامة الروح والجسد ونقاوة القلب، ولايطالب الزرتشتي بدفع مقدار من ماله لرجال الدين،الأمر الذي يدفه للالتزام بدفع الضرائب المالية في البلد الذي يعيش فيه ويخفف عنه التناقض في دفع ضريبتين في وقت واحد، كما لاتحدد هذه الديانة يوما معينا للعطلة الأسبوعية، ولاتضع اية اشتراطات بخصوص الأرث وتفاصيله، وربما الأهم من كل هذه الأمور أن الزراتشتية تأمر معتنقيها بالالتزام التام بمقررات وقوانين الحكومة العادلة بغض النظر عن الديانة التي تعتنقها السلطة الحاكمة.




التعليقات