تبدو سوق القدورفي العاصمة الباكستانية غريبة في خضم ازدحام عرض البضائع والتنافس عليها لتظهر هذه السوق على شكل اكواخ طينية تعج بالقدور الكبيرة وبرجال يفخرونبالطبخ في أكبرالقدور التي ينادون عليها قرب الحي الدبلوماسي في إسلام آباد. التحقيق التالي من مراسلنا في باكستان عبد الخالق همدرد يسلط الضوء عليها.


عبد الخالق همدرد من إسلام آباد: الأسواق الشعبية والبازرات جزء من جميع المجتمعات الشرقية؛ إلا أنها تكون بعض الأحيان ملفتة للنظر لأسباب مختلفة. مثلا قد تكون سوق للأحذية الشعبية في أي مدينة من مدن إقليم البنجاب أو سوق تباع فيها المنتجات الصوفية الخاصة بمنطقة شترال أو كلكت؛ إلا أن السوق التي نحن بصددها لعلها من أغرب أنواع الأسواق في باكستان وليست لها إلا أمثلة نادرة حتى في باكستان أيضا.


quot; تعال يا أخي القدر جاهز... quot;.... quot; الرز المالح.... الرز الحلو...quot;... هل استمعت إلى هذه الأصوات في أي مكان؟.. والمكان الذي تعلو فيه هذه الأصوات هو quot;سوق القدور المطبوخةquot; في العاصمة الباكستانية إسلام آباد وهي قريبة جدا من الحي الدبلوماسي.


تتضمن هذه السوق بين 25 إلى 30 محلا ndash; إذا صح إطلاق هذه الكلمة على الأكواخ التي يطبخ تحت ظلالها الرز في القدور التقليدية بالحطب والجمرndash; وكله يبيع قدور الرز المطبوخة على زوار ضريح quot; بري إمامquot; من مختلف أنحاء البلاد وهم بدورهم يوزعونه على الفقراء والمساكين والزوار. وبذلك تستمر عملية توزيع الطعام منذ الصباح حتى الليل ويستفيد منه الكثير من المحتاجين الفقراء إلى الطعام إلى جانب عدد كبير من العمال الذين يعملون في المناطق القريبة من المنطقة فيزورون الضريح وقت الطعام ليأخذوا معهم quot;كيسا من الرزquot;.


ولا تفوتنا الإشارة إلى أن الطعام يوزع على معظم الأضرحة الشهيرة في باكستان بثلاث طرق: أن يُحضر الزائر طعاما مطبوخا معه للتوزيع أو يقدم الفلوس أو هدية عينية إلى من يتولى أمر مطبخ الضريح وبدورهم سيطبخون الطعام للتوزيع. والأسلوب المتميز هو ما يتم ممارسته في quot; بري إمامquot; وضريح السيد علي هجويري في لاهور.


ويحكي محمد رفيق أعوان الذي يعمل في ميدان طهي الرز وبيعه منذ أكثر من 37 عاما أن كل محل يبيع كل يوم ما بين ثمانية إلى خمسة عشر قدرا والمجموع يتراوح بين 400- 450 قدرا يوميا. ويشير إلى أن غلاء المعيشة قد أثر على عمله سلبيا لكن مع ذلك يستمر في عمله. وأكد quot; أننا لم نرفع سعر القدر من 700 روبية، السعر هو السعر السابق إلا اضطررنا إلى نقص كيلو واحد من الرز. كنا نطبخ خمسة كيلو والآن نطبخ أربعة كيلوquot;. ولا يعرف رفيق منذ متى بدأ هذا الأسلوب في إعداد وتوزيع الطعام على هذا الضريح إلا أنه يؤكد أنه لا يكون تاريخ هذه السوق أقل من أربعين سنة وكان أول الأمر سبعة دكاكين أمام بوابة الضريح، بينما كان الناس يحضرون معهم الرز واللوازم الأخرى للطبخ والطباخون يطبخونها ويأخذون أجرهم.


ومن الملفت للنظر أن محمد رفيق يشير إلى أنه على الأقل ثمانية أسر تستفيد من المحل الواحد بينهم المالك والحطاب والطاهي والعامل والعميل الذي يجيء بالزبائن. ويبدأ العمل في هذه السوق منذ ساعات الفجر وينتهي إلى الساعة الخامسة مساء إلا أن عملية بيع القدور يستمر إلى وقت متأخر. ويشير رفيق إلى أنهم لا يطبخون بعد الخامسة لكنهم يجلسون حتى نفاد القدور إلى الساعة العاشرة ليلا بعض الأحيان.


ويتأسف محمد رفيق على أن الحكومة لم تسمح هذا العام بعقد quot;المهرجان السنويquot; والذي كان يستمر لمدة أسبوع وكان يبيع كل محل خلاله بين 400- 500 قدر، علما أن القدر الواحد يكفي لنحو من أربعين شخصا.


بعد حوار طويل مع محمد رفيق انتقلت إيلاف إلى محل آخر فاستقبلها مالكه سجاد أحمد الذي قال خلال حواره أنه فقد أبيه في الصبا واليتم أثر في مجرى حياته وفي ذلك الحين الصعب جاء إلى quot; بري إمامquot; ودعا أن يحميه من المشاكل وها هو الآن يملك من الدنيا الشيء الكثير لكنه استدرك في نفس الوقت quot; لا أفخر بمالي على الآخرين. أستطيع أن ألبس كل يوم لبسة جديدة لكنني أفضل أن أكون مثل العمال الذين يعملون في محلي. أنا أجلس معهم، أعمل معهم ولا أستنكف من الأكل معهم؛ لأن الله يحب التواضعquot;.


وبالنسبة إلى عمله في هذه السوق يقول سجاد إنه لا يبالي بالربح والخسارة في أعماله؛ لأن هدفه خدمة ضريح بري إمام قبل أن يكون كسب المال. وبناء عليه إنه لن يترك هذا العمل مهما تكن الأوضاع. ويضيف أنه يبدأ عمله بعد صلاة الفجرعقب التسليم على ضريح بري إمام ويستمر العمل إلى الليل