قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يذهب عبد الله البصيّص في "قاف قاتل سين سعيد" مع القارئ نحو عوالم اختار لها أقدارًا متوازية، وعوالم تحاكي بعضها بعضًا، متعمّدًا أن يجعل البداية مشحونة بمشاهد تكتنفها الجريمة والتحقيقات والضحايا، ليميل بالسرد إلى قصة أخرى تصدم الرتابة بلغز يصعب حله.

إيلاف من دبي: حين انتهى الكاتب الكويتي عبد الله البصيّص من العمل على روايته "قاف قاتل سين سعيد" (426 صفحة، دار روايات)، كان الوقت عشية حصوله على جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017 عن فئة أفضل كتاب عربي في مجال الرواية، عن روايته "طعم الذئب"، لذا يرى أن الجوائز الأدبية "على الرغم من أهميتها وأثرها، فإنها تشكل تحديًا أمام الكاتب؛ إذ ترفع سقف توقعات القراء، وتجعل الكاتب بعد حصوله على الجائزة أمام هاجس تجاوز العمل السابق، إلا أنني كنت محظوظًا في ألا أقع في هذا الفخ مع ’قاف قاتل سين سعيد‘".

أقدار متوازية
هذه ثالثة روايات البصيّص، يذهب فيها مع القارئ نحو عوالم اختار لها أقدارًا متوازية، وعوالم تحاكي بعضها بعضًا، ترويها شخصيات تتمتّع بكاريزما خاصة، وتؤدي أدوارًا لا يسهل فكّ ألغازها، إلا إذا تمعّنها القارئ وأصغى إلى حواراتها الداخلية والخارجية، موضحًا في هذا السياق أنها ليست عملًا بوليسيًا، لكنه تعمّد أن يجعل بدايتها مشحونة بمشاهد تكتنفها الجريمة، وسياق التحقيقات، والضحايا، ثم مَال بالسرد نحو قصة أخرى مرتبطة بالأولى من حيث الفكرة العامة وإحدى الشخصيات، ليقدّم إلى القارئ مشاهد مترابطة وظّفها في العمل بأسلوب متقن.

بين حوادث تتسارع وتيرتها، وواقع يزدحم بالصور، يفسّر البصيّص أهمية المهارة البصرية التي اعتمد عليها في تقديم توليفة لغوية تربط تلك المشاهد كلها بخيوط لا مرئية. يقول: "ليت الإلهام مصدرٌ حتى نعتمد عليه، يقيني بأن الإلهام هو بداية الفكرة. أما البقية فتعتمد على المهارة والاشتغال على تحسين مكونات العمل، لكن الذي ارتكزت إليه في هذا العمل هو ’المشهديّة‘، ووصف سريان الحدث بكامل تفاصيله المهمة، بلغة تمثل الراوي من جهة، وتمتاز من جهة أخرى بحيوية تربط المضامين بعضها ببعض من دون خلل".

رتابةٌ.. فلُغز!
يروي البصيّص في "قاف قاتل سين سعيد" قصة المحقق ماجد الذي تمضي حياته برتابة حتى ينكشف أمامه لغز يقوده نحو ساحات الطفولة والمراهقة الأولى وعوالم الشخصيات التي يتصدّرها "فهد"، ذلك الميّت المسجّى مثل جذع نخلة تيبّست حتى كشفت عن أسراره.

يجد المحقق نفسه أمام لغز مقتل "سعيد جونكر"، إحدى شخصيات الرواية، التي أراد لها البصيّص أن تكون متداخلة ومنكشفة في الوقت عينه.

رواية الأقدار المتوازية واللغز صادم الرتابة

بين ذاكرة مشحونة بالمواقف السياسية والثقافية والاجتماعية التي شكّلت التركيبة المجتمعية للكويت، وفي رصد متقن لسيرة الحرب وما ترافق معها، وأنشودة الحنين الأول، ونوستالجيا الفراق وغياب الشخصيات المؤثرة في حياة الكاتب، وضع البصيّص أمام القارئ توليفة من السرد الإبداعي الذي يكشف عن علاقة الكاتب باللغة الشعرية المشحونة بالجمال والمفردات الطيّعة، مؤكدًا توظيفه الشعر.

لحظات تمضي
بالنسبة إليه، الشعر في حالة الكتابة الروائية "هو السبيل الوحيد لمعرفة كيفية استخدام الرموز بشكل صحيح والتمكن من المجاز وخلق قدرة على وضع الاستعارات المناسبة ما يمنح الكتابة قوّة حركية ويغمسها في ذهن القارئ".

يقول: "الشعر مهم في كتابة الجمل بشكل رشيق وغير متكلّف، وفي تصوير زاوية المشاهد وطريقة تناولها ومتى ينبغي أن يتوقف السرد ومتى يحين وقت انطلاقه؛ لهذا أعتبر أن الشعر هو الجسد الذي تحب اللغة أن ترتدي عليه ثيابها".

لم يُغلق البصيّص في روايته هذه باب التشويق واكتشاف الحقيقة، بل ذهب بالقارئ بعيدًا، نحو تخيّل كلّ ما حصل أو يمكن أن يحصل، كأنه يركض إلى جانبه ويضحك معه، ويجرّه إلى حديقة حيّه القديم، يمشي معه حافيًا على بلاط مكتبة عمّه المليئة بأمهات الكتب، وأهم الروايات العربية والعالمية، ويُسمعه صوت ذلك الطفل الذي وصفه بعد أن نجح في فكّ لغز جدته وهو يتجاوز عتبة عامه الثامن بأنه تعلّم حيلة الكتابة، وبات يمتلك سلاحًا يستطيع من خلاله أن يواجه العالم وحده، ليطبق الحوار في الرواية بجملة سرعان ما انتبه إليها: "ثمّ راحت الأيام تفعل الذي تفعله دائمًا، تحمل كلّ اللحظات وتمضي".