من quot;نجرانquot; القصيّة، إليكم مع التحيّة!

من مفكرة سلطان القحطاني

الأحد ndash; 27 ديسمبر
* الساعة الواحدة ظهراً

1-nbsp;quot;هنا كابتن الطائرة هيّاس الزهراني يرحب بكمquot;!

تستعد الطائرة للإقلاع من مطار الملك خالد الدولي في العاصمة الرياض. لكنها مثل أحلام البسطاء لها حد معين لا تستطيع أن تتجاوزه. إذاً ها أنذا أمتطي حلماً مقداره عشرون ألف قدم، قد تزيد أو تنقص، ولكن بمقدار، على حسب نعومة الغيم، واضطراب الرياح!.

من الأعلى تتحول الرياض إلى نقطة صفراء مليئة بالضوء، كأنها quot;لاس فيغاسquot;، وتختفي رويداً، رويداً، كلما ارتفعت الطائرة في سماء الله الأولى، وما تلبث أن تتحول إلى نقطة آخر السطر، في كتب تحف البلدان، ونهضة العمران.

صوت كابتن الطائرة quot;هيّاس الزهرانيquot; يبلغنا التحية والترحيب، وما هي إلا خمسون دقيقة، وإذا به يرقص بنا في السماء، وتحولنا إلى لاعبي سيرك، نرتفع، ونهبط، في هذه الطائرة، التي تشبه الباصات المدرسية القديمة.

حين سألت أحد الموظفين قبل الركوب إلى الطائرة عن السبب في السفر بطائرة صغيرة الحجم كهذه، من المؤكد أن تلعب بها الريح كل دقيقه، إلى أقصى المملكة الشاسعة جغرافيا، قال لي :quot;نسير الطائرات الصغيرة للمدن الصغيرةquot;.

ويبدو أنه كان مثلي، لا يعرف نجران، بذاتها وصفاتها، ولا يعرف أنها أكبر من مدينة، وأصغر من قارة، وما بينهما واسع من الجبال، والهضاب الراكعة، على سجادة هذه الأرض الذهبية.

*الساعة الثانية والنصف:

2-nbsp;quot;سجّل أنا صالح، ولدي اعتراض على الجبل !quot;

حينما رأيت سيارته التي ارتكبت ما لا يقل عن أثني عشر حادثاً مرورياً، كما هو ظاهر من الخدوش والآثار على هيكلها، أيقنت بأنني وقعت في فخ لا فكاك منه، وبدلاً أن يقتلنا كابتن الطائرة في السماء، سيقتلنا quot;العم صالحquot; في الأرض. لكن لم يعد هنالك مجال للتراجع، فقد جرا ما جرا.

وركبنا، وكأن كل نجران تعرفه: يمر من نقطة تفتيش عسكرية، فيمر مسرعاً دون أن يعيرهم أي اهتمام، ويسلم عليهم بمنبه السيارة المزعج، فيرد عليه العساكر بالضحكات المجلجلة, إذ يبدو أن لديهم تاريخا طويلا معه. وفي الشوارع يسلم عليه الناس، وأمام الإشارات المرورية ينهمك في التلويح بيده لأثنين أو ثلاثة على الأقل.

وكل هذا لم يمنعه من التنظير العسكري، والإستراتيجي.

حين سألته : quot;هل تسلل أحد من الحوثيين إلى نجران؟quot;. رد بغضب وهو يلمس خنجره الملفوفة حول خصره بحزام فضي: quot;يخسئونquot;. ما هي إلا ثوان معدودة حتى انفجر قائلاً:quot;المشكلة كلها من هذه الجبال. أي مدفعية يمنية تستولي عليها ستحرق نجران كلها، لا بد أن نعيد ترسيم الحدود، ونأخذ الجبل وما بعد الجبلquot;.

ويضيف: quot;لقد كنا نتذكر قبل أكثر من ستين عاماً أن حدودنا إلى ما بعد ذلك الجبل بكثيرquot;. ويشير بإصبعه السبابة إلى جبل كبير هو آخر الحدود السعودية مع اليمن، الغارق في مؤامراته، وفشله العسكري، والسياسي.

إذا أبو صالح يريد أن quot;يأخذ الجبل بما حملquot;. إنها موقعة quot;الجبلquot;، والفتنة الأزلية.

ذكرني هذا الحديث بحديث مع مسئول خليجي سابق في لندن حين قال لي إن خطر الأخطار الذي يهدد المملكة هو الحد الجنوبي، حيث الدولة الفاشلة في اليمن. وتحتاج السعودية إلى تأمين نفسها عبر المضي قدماً في بناء الحاجز الحراري، الذي يعارضه الرئيس صالح، وكذلك تفعيل الدور الاستخباراتي في المنطقة، ومحاولة التنسيق مع عُمان واليمن للحصول على منفذ صغير على بحر العرب، ما يمكن الرياض من حماية أمنها الوطني، خصوصاً أن أغلب الأسلحة المهربة تأتي من خلف البحار.

*الساعة الثالثة وسبع دقائق:

3- ما هي علاقة كلية الصيدلة بعلوم الفنادق؟

كان من المفترض أن تعتاد أصابع quot;حسينquot;، أو هكذا سمعت أصدقاءه ينادونه به، على ملامسة أقراص البنادول، وعبوات المضادات الحيوية، وإبر الأنسولين، وغيرها من مكونات الصيدلة، التي أنفق من عمره بضع سنين، لدراستها، والغوص فيها. إلا إنه بدلاً من ذلك ينهمك في توزيع البطاقات، ومفاتيح الغرف، في وظيفته كمسئول استقبال في هذا الفندق.

قلت له مداعباً :quot; أي ريح (طبيّة) جاءت بك إلى هنا؟quot;. قال لي بصلابة جبال نجران، وحزن حقولها: quot;قالوا لنا مستقبلكم مضمون عقب التخرج. انتظروا .. انتظرناquot;. ثوان من الصمت ثم يقول: quot;المشكلة أنني انتظرت طويلاًquot;.

والناس هنا، في المملكة الغنية بخزائن سليمان نفطاً ومالاً، مؤمنون بعقيدة quot;الانتظارquot;، كحل وحيد لمشاكلهم، وآمالهم. المشكلة أن القطارات لا تأتي للمنتظرين في محطة القطار، متى ما أرادوا، طالما لا قانون يحاسبها إن تأخرت، ولا مسئول يعاقبها إن قصرت.

وانتظروا فإننا منتظرون.

*الرابعة وخمساً وخمسين دقيقة:
4- وعندها صرخ: quot;إلى الملك... إلى وزير الداخلية !quot;

لم يشأ أن يعطيني أسمه، لأنه غاضب، أو ربما لأنه لا يعتبر ذلك مهماً، طالماً أنه صافحني باليد، وألح على ضيافتي في منزله، وأقسم علي بتوصيلة مجانية إلى حيث مكاني المرتجى. لقد لمحت المشهد أمامي لكنني لم أتبينه. رأيت سيارة شرطة تهرع إلى المكان مسرعة، ثم تغادر، وفي أحشاءها شاب يبدو أنه في الخامسة والعشرين من العمر، أو ما يزيد قليلا.

لم أتبين من الشاب سوى ملامحه العبوسة، وهو في الجزء الخلفي من سيارة الشرطة من نوع quot;جيبquot;.

قلت له : quot; لماذا؟ .. ما الذي حدث؟quot;. وقال بصوت يقطعه الغضب، وصوت الريح، التي تأتي من الشبابيك المفتوحة: quot;شخص مجنون يريد أن يطبق القانون بيده، متناسياً أن ذلك هو دور الحكومة. لقد هدد البائع إما أن يعيد quot;الخلاطةquot; التي أشتراها، أو سوف يبقر أحشاءه بالخنجرquot;.

وفكرت ثم فكرت. نظرت إلى الأفق، وأصغيت السمع إلى صوت النسيم. وتذكرت ما قاله لي صديق مطلع حينما أخبرته أنني ذاهبُ إلى نجران وأميرها. قال لي: quot;يجب أن لا يغتر المسلحون القبليون، بهدوئه، وذوقه، ولطفه؛ فأمير نجران الجديد، حاد كالسيف حين يستلزم الأمرquot;.

عودة إلى الرجل الغاضب. قال: quot;لا بد من محاسبة الاتصالات، ولابد أن يتدخل الملك، ووزير الداخلية، وينقذوناquot;. ولم يكن هذا هو الرجل الوحيد الذي يشتكي من شركة الاتصالات التي طغت على البلاد والعباد، بعد أن تعطل نظام الفواتير، وأصبحت تصدر فواتير المشتركين حسب تقدير موظفيها الشخصي.

وماذا بعد؟ يقول إن quot;البلد تحتاج إلى رقابة، وعلى العسكريين اليقظة، وغلاء المعيشة والفقر سيلتهموننا عما قريبquot;. ويبدو أنني لو أمضيت الليل كله معه لن يتوقف عن الشكوى والتذمر.

الساعة السادسة والربع مساء:5

5- quot;حينما اهتزت الفناجين في بيت حسن !quot;

وكأنه إحدى الشخصيات في فيلم quot;هاري بوترquot;، حيث لاحظت اللحية الطويلة البيضاء، والعمامة المربوطة فوق الرأس، والعينين الممسوحة بقليل من الكحل، إذ من المعروف أن آل الجنوب السعودي، يعتبرون الكحل واحداً من تقاليدهم.

nbsp;حسن، أو أبو محمد كما يحب، واحدٌ من سائقي الأجرة في نجران، الذين يعتبرون أن العمل في سيارة الأجرة تمضية الوقت، أكثر من كونه وسيلة للرزق. هذا الرجل الذي بلغ من الكبر عتيا، لا يزال محافظاً على صوته، وعقله، وصحته.

يقول لي عن آخر المحاولات الحوثية للتسلل إلى نجران: quot;لقد دحرناهم... لو أعطتنا الحكومة الفرصة، لقمنا باحتلال الجبل وتأمينه، لأننا نعرف المنطقة جيداً، بكل مداخلها ومخارجها، ونستطيع التعامل مع حرب العصاباتquot;.

ومعروف أن هذا كان واحداً من أهم السيناريوهات التي أقترحها خبراء عسكريون، لمواجهة حرب العصابات التي قام بها المتسللون الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة. وكان بندٌ من بنود تلك التوصيات، يشير إلى ضرورة الاستعانة برجال القبائل المحيطة بالشريط الحدودي، في عمليات الهجوم، أو نصب الكمائن، والإرشاد إلى الطرق.

الآن هدأت نجران، ولم تعد هنالك أصوات مزعجة، تدل على حرب، أو نصف حرب.

quot;كل الأمور هدأتquot;، يقول أبو محمد.

يشير وهو يسكب ابتسامته على الطريق السريع: quot;كانت أصوات القنابل تهز الفناجين في بيوتنا. لقد شعر الصغار بالرعب. تخيل كل هذه المسافة، ورغم ذلك تهتز نجران، فما بالك لو سقطت عليك القنبلةquot;. قال الجملة الأخيرة وهو يضحك.

والغريب أنه لم يشتكي من أي شيء. قلت له :quot; ألا يوجد هنا ما يزعجك؟quot;. قال بسرعة: quot;الله يعز الدولة، وآل سعودquot;. هذه الجملة يقولها السعودي حين يشعر أن السائل أحد أفراد جهاز المباحث، التابع لوزارة الداخلية.

ربما. ذكرني هذا بما قرأته في مذكرات quot;جون سبمبسونquot;، مذيع (بي.بي.سي) الشهير، حين قال إن الصحافيين يشبهون رجال الاستخبارات في عملهم، لكن الفرق الوحيد هو أن الصحافيين ينشرون المعلومات، التي يحصلون عليها، بدلاً من الاحتفاظ بها في الملفات السرية.