يبدأ السودانيون اليوم بالاقتراع في عملية انتخابية معقدة، بعد 24 عاما من آخر انتخابات ديمقراطية. ففي خلال ثلاثة أيام بين (11ـ 13) نيسان/ ابريل الجاري يتعين على الناخب السوداني اختيار الرئيس الذي سيحكم السودان، والنائب البرلماني، والوالي الذي سيحكم ولايته بالإضافة إلى نواب مجالس الولايات
وتجري هذه الانتخابات في سياق جدل كبير حول مصداقيتها بعد انسحاب ومقاطعة أكثر الأحزاب المنافسة احتجاجا على عمليات التزوير المنظمة، والتي تمت عبر ترتيبات وخطط أعدها نظام حكومة المؤتمر الوطني احتسابا لهذه الانتخابات، ضمن تصميم مسبق لضمان نتائج فوز كاسحة فيها؛ ابتداء من التعداد السكاني الذي تأخرت نتائجه عن موعدها ثم ظهرت فيها تلاعبات واضحة في نظام الدوائر الجغرافية لصالح المؤتمر الوطني، رافق ذلك العديد من الخروقات في عملية التسجيل وغيرها من نقاط الخلاف بين المؤتمر الوطني والأحزاب المنافسة. وهي خروقات أكدتها العديد من المنظمات العالمية المحايدة كمنظمة العفو الدولية، ومجموعة الأزمات الدولية وغيرها.
ورغم تضارب المواقف والبلبلة التي حدثت على هامش التسخين للعملية الانتخابية إلا أن الأحزاب الكبرى كحزب الأمة والحركة الشعبية (شريك المؤتمر الوطني في الحكومة) وغيرها استقرت على عملية المقاطعة لكي لا تنخرط في انتخابات صورية تمنح الرئيس البشير نصرا مريحا وشرعية مفقودة لنظامه.
ومنذ انسحاب الحركة الشعبية من هذه الانتخابات في اللحظات الأخيرة ومقاطعتها الكاملة للعملية الانتخابية في الشمال، مع خوضها في الجنوب، بدا واضحا أن ما كان طبيعيا لنظام استمر لعشرين عاما في الحكم بقوة الأمر الواقع ـ القوة المادية ـ يمكنه أيضا أن يجعله مستمرا عبر استخدام تلك الانتخابات كلزوم مايلزم من وجهة نظره التي تقاطعت مع مصالح قوى إقليمية وعالمية باركت هذه الانتخابات بطريقة تضمن لتلك المصالح صيرورة آمنة.
ومع أن طبيعة الانسداد في الواقع السياسي المأزوم تتجلى في جميع الأجندات الحزبية المختلفة ابتداء من المؤتمر الوطني الحاكم، ومرورا بالحركة الشعبية، وانتهاء بالأحزاب السياسية الأخرى إلا أن الأزمات المعقدة التي تكتنف تلك القوى السياسية تصبح بصورة أخرى علامة واضحة لأزمة وطنية ومأزق تاريخي الأمر الذي تبدو معه هذه الانتخابات كجزء من المشكلة لا جزءا من الحل ؟!
هكذا لا يبحث نظام المؤتمر الوطني عن شرعية تضمن له فقط مجرد الاستمرار في الحكم ـ فهذا تحصيل حاصل ـ وإنما يبحث أيضا عن شرعية تضمن للرئيس عمر البشير وقف وإبطال مفعول مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن محكمة الجنايات الدولية في 4 مارس/ آذار 2009، وإسقاط التهم الموجهة له من تلك المحكمة على خلفية الصراع في دارفور. ولا شك أن ضرورة إستراتيجية كهذه لا تجعل مثل هذا النظام يسمح بتأجيل الانتخابات.
أما الحركة الشعبية برغم حيوية مرشحها وبرنامجه الطموح للتغيير لم يكن انسحابها في الأسبوعين الأخيرين مفاجأة للمتابعين، فمنذ شراكتها المتعثرة مع المؤتمر الوطني بعد توقيع اتفاقية نيفاشا 2005م حاولت أن تجاري حلفاءها من أحزاب المعارضة (تجمع أحزاب جوبا) فيما كانت عينها على الاستفتاء الذي سيجري في العام القادم لتقرير مصير الجنوب. وهو استفتاء تدل كل المؤشرات على رجحان انفصال الجنوب وإقامة دولة مستقلة لا سيما بعد أن صرح سلفا كير رئيس الحركة الشعبية قبل يومين: (لم نشهد في هذه السنوات الخمس شيئا يمكن أن يجذب انتباه الجنوبيين على قبول الوحدة) ولهذا حين طالبت الحركة بتأجيل الانتخابات اشترط عليها المؤتمر الوطني تأجيل الاستفتاء؛ الأمر الذي كان سببا جوهريا في انسحابها من الانتخابات مقابل الإبقاء على موعد الاستفتاء وتفاديا لتأجيله.
فيما تبدو بقية أحزاب (تجمع جوبا) وعلى رأسها حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي بعد الانشقاقات التي طالت صفوفها في ظاهرة ما يسمى بالأحزاب الكرتونية المخترقة والممولة من المؤتمر الوطني، وبعد عشرين عاما من تدمير البنية السياسية الداخلية للعمل الحزبي، أنها في حالة من العجز أصبح معها من الصعوبة بمكان تسجيل منافسة حقيقية في هذه الانتخابات.
هكذا تتجلى العوائق الخاصة لكل القوى السياسية لتصبح مانعة من اقتراح رؤية وطنية لتجاوز ذلك الانسداد والخروج من الأزمة التي يتخبط فيها الواقع السياسي
لقد استبشر الجميع خيرا عند توقيع اتفاقية نيفاشا التي أنهت حربا أهلية طويلة امتدت لعشرين عاما، لكن ما كان خافيا وراء ذلك : أن شرعية الأمر الواقع (شرعية القوة المادية لكل من الحركة الإسلامية والحركة الشعبية التي كانت هي الرافعة الحقيقية للوصول إلى اتفاقية نيفاشا في 9 يناير 2005م) هي شرعية لا يمكن أن تنهض باستحقاقات وطنية كبرى كالوحدة والسلام والديمقراطية، فمثل هذه الاستحقاقات لا تنجزها إلا كافة القوى السياسية وعبر إجماع وطني وهذا ما لم يحدث للأسف. ذلك أن الآيدلوجيا الانسدادية لكل من الحركتين : الحركة الإسلامية (المؤتمر الوطني) والحركة الشعبية هي بطبيعتها أيدلوجيا مانعة من رؤية المصالح الوطنية كما هي في الحقيقة والواقع، فضلا عن الطبيعة العسكرية لكليهما.
في موازاة ذلك تواطأت مصالح مختلفة للقوى الخارجية باتجاه إجراء الانتخابات في موعدها، لاسيما وأن الولايات المتحدة على لسان تصريحات مبعوثها في السودان (سكوت غرايشن) تبدو راضية عن سير هذه الانتخابات رغم التزوير الذي أشارت إليه منظمات عالمية محايدة ورغم التصريحات الأخيرة لممثلة الولايات المتحدة في المنظمة الدولية (سوزان رايس) التي عكست موقفا يضمر تواطئا ضمنيا مع قيام الانتخابات في موعدها.
أما أكبر العلامات الدالة على وجود إجماع صامت من أجل تمرير صفقة سياسية مرضية لجميع القوى المؤثرة في الداخل والخارج فكان هو الموقف المصري. فمصر التي ظل قيام دولة في جنوب السودان أحد خطوطها الأمنية الحمراء، بدا واضحا على خلفية التقارير والمقالات الصحفية المصرية أنها ايضا راضية عن سير الأمور التي تؤشر كلها على رجحان كفة انفصال الجنوب في الاستفتاء القادم على تقرير المصير يناير 2011 م
ربما ظن كثيرون أن استعادة التحول الديمقراطي يمكن أن يكون في ضوء الوعود التي صاحبت زخم اتفاقية نيفاشا، في السنوات السابقة، فيما نسي الجميع أن السبب الأساس في آخر انتخابات ديمقراطية في السودان، كان انتفاضة الشعب السوداني في 6 أبريل 1985وتحرك جميع القوى السياسية لتغيير الوضع الذي أدى إلى انحياز الجيش للشعب وسقوط نظام نميري.
أما الوضع الجديد الذي مهد لهذه الانتخابات في السنوات الخمس الماضية فقد كان نتيجة لاتفاقية نيفاشا بين حزبين آيدلوجيين عسكريين جاءت بهما شرعية القوة المادية إلى السلطة (رغم الحديث الهوائي العريض عن quot; المشروع الحضاريquot; في خطاب المؤتمر الوطني، وquot; السودان الجديدquot; في خطاب الحركة الشعبية) ونتيجة لتدويل قضية الجنوب عبر تدخل الكثير من القوى الخارجية لاسيما الولايات المتحدة التي رعت اتفاقية نيفاشا.
وإذ يبدو الفرق واضحا في الأسباب المؤدية إلى هذه الانتخابات، في 2010م وانتخابات العام 1986 فإن ملامح الوضع القادم في السودان ستنطوي على استمرار حكم المؤتمر الوطني للشمال الأمر الذي ينزع عن هذه الانتخابات أي سمة تأسيسية فارقة في التحول الديمقراطي، ومن ثم استكمال سيناريو الفراغ السياسي الذي تدور فيه الحياة السياسية في السودان منذ عشرين عاما.
هكذا نسمع اليوم هتافات للبشير في حملاته الانتخابية تذكرنا بالسنوات الأولى لنظام الإنقاذ، ونسمع في الوقت نفسه شعار (الجهاد المدني) الذي اتخذه الصادق المهدي زعيم حزب الأمة في السنوات الأولى لنظام الإنقاذ؟! وسيتخذه في حال فوز البشير كما صرح أخيرا
ويبدو أن في هتافات البشير وشعاراته الدينية الفاقعة ـ التي خفت بعد توقيع اتفاقية نيفاشا ـ ما يشي بإمكانية عودة سنوات (التمكين) الأولى لنظامه في المرحلة القادمة (وهو ما يعني بالضرورة احتمال قوي لصفقة مبرمة تؤدي إلى انفصال سلس وآمن لجنوب السودان) لكن ربما كانت من أهم التحديات التي ستواجه النظام في الشمال : مشكلة دارفور التي تحولت إلى مأساة إنسانية وبؤرة تدويل محتقنة، وكذلك حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي ـ وهذه من مفارقات الواقع السياسي المأزوم ـ وحركات دارفور والهامش التي ستتناسل مع تمدد ذلك الفراغ واستحكام السلطة في يد المؤتمر الوطني، بالإضافة إلى القوى السياسية الأخرى. وهي تحديات لن تحد من شراستها تلك (الشرعية) المأمولة.
[email protected]