تشكل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في العشرين من مارس 2003 laquo;جريمة عدوانraquo;، حيث ينطبق عليها اركان هذه الجريمة كما وردت في النظام الاساسي لمحكمة نورنبيرغ الدولية التي شكلها الحلفاء لمحاكمة مجرمي الحرب الالمان واليابانيين. فقد نصت المادة السادسة من النظام الاساسي للمحكمة بان الحرب العدوانية laquo;جريمة ضد السلام والانسانية raquo;. ونصت هذه المادة ايضا على أن مرتكبي هذه الجرائم laquo;مجرمو حربraquo;، ويتحملون مسؤولية جرائمهم، لذلك يجب ملاحقتهم ومحاكمتهم وإنزال أقصى العقوبات بحقهم. وقداكد ذالك النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998.

وعرفت المادة السادسة الفقرة laquo;أraquo; من نظام المحكمة الجرائم ضد السلام وهي: laquo;التخطيط والإعداد والقيام بشن الحرب العدوانية أو أي حرب تنتهك معاهدة أو اتفاقية دولية أو الاشتراك في خطة أو مؤامرة للقيام بأي من الأعمال المذكورةraquo;.

وعرفت الفقرة laquo;بraquo; من المادة نفسها جرائم الحرب هي: laquo;انتهاك قوانين وتقاليد الحرب، كقتل وإساءة معاملة السكان المدنيين في الأراضي المحتلة أو إبعادهم، وكذلك القتل والمعاملة السيئة لأسرى الحرب، وقتل الرهائن ونهب وسلب واغتصاب الأملاك العامة والخاصة وتدمير القرى والمدن أو أي تدمير آخر لا مسوغ له للضرورات العسكريةraquo;
اما الفقرة laquo;جraquo; فتناولت الجرائم ضد الإنسانية وهي : laquo;القتل، والإفناء، والاستعباد، والنفي، والإبعاد، وغيرها من الأعمال المنافية للإنسانية التي ترتكب ضد المدنيين قبل أو خلال الحرب، واضطهاد الناس لأسباب سياسية أو عرقية أو دينيةraquo;.
ورفضت محكمة نورنبرغ مبدأ الضربة الاستباقية الذي استخدمته ألمانيا النازية ضد النرويج خلال الحرب العالمية الثانية، وأقرت بعدم شرعيتها، معتبرة قرار الحكومة النازية احتلال الدانمارك والنرويج، laquo;حربا عدوانيةraquo;.
وبموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة المرقم 95 laquo;أraquo; والمؤرخ في 11/1/1946 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة نظام وقرارات محكمة نورنبيرغ كجزء من القانون الدولي، كما أقرت أيضاً عدم سريان تقادم الزمن على مثل هذه الجرائم وعلى راسها laquo;جريمة العدوانraquo;

وقد اعدت لجنة القانون الدولي التي تشكلت بتاريخ 28 يوليو سنة 1945 مشروع لتقنين الانتهاكات الدولية، وتبنت اللجنة الجرائم التالية كجرائم ضد السلام والامن العالمي:

(1) تنظيم سلطات الدولة عصابات مسلحة للإغارة على إقليم دولة أخرى أو السماح بذلك التنظيم أو تشجيعه. وسماح سلطات الدولة لعصابات مسلحة باستخدام إقليمها كقاعدة لعمليات، أو كنقطة انطلاق للإغارة على إقليم دولة أخرى وكذلك المساهمة المباشرة أو المساعدة الممنوحة للإغارة.
(2)مباشرة سلطات الدولة أنواعاً من النشاط الإرهابي المنظم في دولة أخرى أو تشجيعها إياها أو سماح سلطات الدولة بنشاط تنظيم الغرض منه تنفيذ أفعال إرهابية في دولة أخرى.

(3) ارتكاب سلطات الدولة أفعالاً على خلاف التعهدات الملقاة عليها بناء على معاهدة تهدف إلى ضمان السلام والأمن الدوليين.

وقد جاءت توصيات الجمعية العامة للامم المتحدة بقرارها المرقم laquo;3314raquo; والصادر في تاريخ 14-12-1974 المادة الخامسة منها الخاصة بتعريف laquo;جريمة العدوانraquo;، تاكيدا للمبادى الاساسية التي اقرت بموجب نظام وقرارات محكمة نورنبيرغ المذكورة اعلاه. وقد اقرت توصيات الجمعية العامة للامم المتحدة بالاجماع بان العدوان هو: laquo;استخدام القوة المسلحة بواسطة دولة ضد السيادة الوطنية او السلامة الاقليمية او الاستقلال السياسي لدولة اخرى وفي أي صورة لا تتفق مع ما اشتمل عليه ميثاق هيئة الأمم المتحدة من مبادئ وأهداف. raquo;
وقد نص إعلان العلاقات الودية رقم laquo;2625raquo; سنة 1974 على: laquo;ما من اعتبار أيا كانت طبيعته سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أم عسكريا أو غير ذلك يصح أن يتخذ مبررا لارتكاب عدوان. raquo;
ووفقا لهذه المبادىء فأن حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية اصبح laquo;قاعدة آمرة raquo; من قواعد القانون الدولي. وفي حالة انتهاك هذه laquo;القاعدة الآمرة raquo; منحت المادة laquo;51raquo; من الميثاق الاستثناء التالي : laquo;إنه ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى وجماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا حدث هجوم مسلح ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ الأمن والسلم الدوليينraquo;.

وقد أعطت المادة laquo;39raquo; من الفصل السابع، السلطة لمجلس الأمن، لتقرير حالة الاخلال بالامن، او اي عملا من أعمال العدوان، واتخاذ الاعمال التي يراها المجلس ضرورية لاعادة السلام الى نصابه.
وحتى لو يرى مجلس الامن، بان عناصر تهديد السلم او الاخلال به او العدوان، متوفرة في دولة ما، ويقرر اتخاذ تدابير عسكرية في نطاق المادة laquo;42raquo; من الميثاق، فانه هو الذي ينظم، وفق مسطرة معينة، وبتعاون من قبل جميع اعضاء الامم المتحدة، توقيت استعمال القوة ورئاستها وسيرها. laquo; المواد من 43 الى 51 من الميثاقraquo;
وما عدا ذلك، وحسب ما جاء في البند الثالث من المادة الثانية من الميثاق، فأن الامم المتحدة تطالب جميع اعضائها، بفض نزاعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، حتى لا يتعرض السلم والامن والعدل الدولي للخطر.
فحسب البند الرابع من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة laquo; يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية، عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال السياسي لاية دولة او على اي وجه اخر لا يتفق ومقاصد الامم المتحدةraquo;.
ومقاصد الامم المتحدة التي عبرت عنها بنود المادة الاولى من الميثاق هي: حفظ السلام والامن الدولي laquo;البند الاولraquo; وأنماء العلاقات الودية بين الامم laquo;البند الثانيraquo; وتحقيق التعاون الدولي laquo;البند الثالثraquo;، وجعل مجلس الامن مرجعا لتنسيق العمل المشترك بين الدول laquo;البند الرابع raquo;.
اذن فجريمة العدوان التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق العراق تؤكدها كل مبادىء القانون الدولي المشار اليها اعلاه. وهذا ما اكده ايضا السيد كوفي عنان، الامين العام السابق للامم المتحدة، وكذلك ما اكده مبعوثه الخاص الى العراق، الاخضر الابراهيمي، بان الحرب الامريكية على العراق، كانت خرقا وانتهاكا فاضحا لميثاق الامم المتحدة، وعمل غير شرعي.

ولم تكتفي الولايات المتحدة بخرق ميثاق الامم المتحدة لوحدها، بل عملت على تشجيع الدول الاخرى على ممارسة نفس العمل، من خلال اقامة تحالف خارج الامم المتحدة بواسطة وسائل الاكراه او الرشوة، ويشكل مثل هذا التحالف إهانة واضحة وتحدي سافر لميثاق الأمم المتحدة وفقا للفصل الخامس من الميثاق.
اضافة على ذلك، لم تقم الولايات المتحدة اثناء الحرب على تنفيذ التزاماتها بالقانون الدولي الانساني بموجب اتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949 والبروتوكولين الملحقيين الاضافيين لعام 1977. فبموجب القانون الدولي الانساني يقتضي على الولايات المتحدة وحلفائها، حماية العسكريين العاجزين عن القتال والاشخاص الذين لا يشتركون في الاعمال العدائية.
وبعد احتلالها للعراق، لم تلتزم الولايات المتحدة بتنفيذ التزاماتها كدولة محتلة، ولم تقم بتأمين آليات حماية المدنيين الذين يقعون تحت سيطرتها، فيما يخص حقوقهم الشخصية وحقوق عائلاتهم ومذاهبهم ومعتقداتهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم، وحماية النساء من اي اعتداء على شرفهن وخاصة ضد الاغتصاب، وضمان توفير المواد الغذائية والطبية للسكان، وعدم ترحيل السكان المحليين، وحماية السجلات العامة ومحفوظات الدولة، وحماية الممتلكات الثقافية للبلد، واحترام القوانيين المحلية المعمول بها، اضافة الى امور اخرى فيما يخص القوات المسلحة والجيش والشرطة والتعليم والاقتصاد والنظام القضائي والتشريع الجنائي والقانون المدني والعملة والاعمال التجارية..الخ
وبدلا من القيام بالتزاماتها قامت الولايات المتحدة بممارسات لاأنسانية لايقوم بها الا الغزاة البرابرة في القرون الغابرة، حيث قامت باعتقالات جماعية وتعذيب في المعتقلات والسجون، وأباحت لقواتها بقصف الاحياء المدنية بالطائرات المتطورة بشكل عشوائي، واستخدمت الاسلحة المحرمة دوليا كالقنابل العنقودية والاشعاعية، التي راح ضحيتها عشرات الالاف من المدنيين العزل، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الانساني.
وان جميع هذه الجرائم مثبتة من قبل المنظمات الدولية، كمنظمة الصليب الاحمر، ومنظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الانسان.
وجميع هذه الجرائم منصوص على عقوباتها بالمادة السادسة من نظام محكمة نورنبيرغ الدولية المشار اليها اعلاه، والمادة laquo;77raquo; من النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كجرائم إبادة جماعية، وجرائم حرب وجرائم ضد الانسان. وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم. وان الولايات المتحدة والنظام الراهن في العراق، وان لم يصادقا على النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فأن ذلك لم يمنع من القاء القبض على الامريكيين والعراقيين المنسوبة اليهم مثل هذه الجرائم، عندما يتواجدون في دولة طرف في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية اوتسمح دساتيرها بمحاكمتهم عن هذه الجرائم بغض النظر عن مكان ارتكالها كما حصل لرئيس الوزراء الاسرائيلي quot;شارونquot; في بلجيكا عن جرائم صبرا وشاتيلا.
وان النظام الراهن في العراق بالاضافة الى انه يفتقد صفة laquo;الشرعية الدوليةraquo; حيث ولد من رحم laquo;حرب عدوانية raquo; فهو يفتقد ايضا لصفة laquo;المشروعيةraquo; لكون الهيكل السياسي الذي صنعه الامريكان في العراق لم يكن هدفه تقديم الخدمات العامة البسيطة للمواطنيين وانما لخدمة مصالح الاحتلال. وهي حسب قول الباحث في مركز بيغن ndash; السادات laquo;برادلي تاير raquo;، تقديم التسيهيلات اللازمة للقواعد العسكرية والاستخباراتية التي اقامتها الولايات المتحدة في العراق. وحسب تاكيد laquo;برادلي تاير raquo; فان هذه القواعد تقدم للولايات المتحدة تواجدا دائما في اعماق المنطقة والتي تستطيع من خلالها توسيع سلطتها.

لذلك فكل المحاولات والتحركات التي قامت بها الولايات المتحدة والنظام الراهن في العراق، طيلة السنوات التسع الماضية، والتي مازالت قائمة لحد الان، هي لاخفاء ملامح جريمتهم العدوانية على العراق، تذهب سدى وعبثا، لان العدوان laquo;يعرف نفسه بنفسه، فهو عبارة عن اجتياح الجيش لحدود الغير حسب تعريف الدبلوماسي الروسي ف. فالينوفسكي قبل 193 سنة raquo;