قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

المفكرة مخصصة لتسجيل انطباعات كتاب وملاحظاتهم في ما يمر أمامهم من أحداث عربية وعالمية، أو من مصادفات مع العابر والزائل... يكتب حلقة اليوم بكر عويضة:

رحلة إلى... 2041

الثلاثاء 15 آيار- مايو 2012

نَظرتْ عين الآنسة في حدقة عيني أقل من دقيقة. ابتسمت. تحرك الذراع رشيقاً، رشاقة صاحبته. إشارة ترحيبية. انبسط الكفُ، أشار إليَ بالمرور. سمعت همسة رقيقة: رحلة سعيدة سيدي. المطار: هيثرو. قاعة المسافرين (التيرمينال) كأنها من زمن حدائق بابل المعلقة. لا سقف ولا جدران. كأنما مرفوعة بلا أعمدة. موظفة الاستقبال الرشيقة شعرها متدل على الكتفين. ذات لسان وشفتين. إنما لا لحم، لا شحم، ولا عظمْ. هي في الشكل كما انت وأنا. لكن الأرجح انها أذكى وأفصح. من عينيك تعرفك. لا جواز سفر ولا تذكرة طائرة. هي، نعم، كما خمنتم، كو..مب.. يو.. تر... تأنسن.
شطح خيالي فاستقل آلة الزمن وقطع ثمانية وثلاثين عاما نحو المستقبل. ها نحن نودع 2040 ونستقبل 2041. هبطت آلة الزمن في تونس المبتهجة بعرس العقد الرابع للثورة. بعدها الى القاهرة المزينة بأفراح ثورة يناير. مضى الكابتن الكومبيوتري فطار إلى مهرجان فبراير الليبي. من عرس الى فرح فمهرجان.
انتهى الخيال. صحوت. سمعت حواراً. أين كنا؟ يسأل سائل. وأين صرنا؟ يرد صاحبه. قلت لنفسي: لئن جرى هكذا تحاور بين شابين يافعين في خواتيم العقد الخامس من العمر (كونهما في العاشرة الآن) فكانا مبتهجين بما حقق العالم العربي من قفزات حضارية، فهنيئا لأجيالنا المقبلة بما سترث وتورث لما بعدها. وأما إن كان السؤال والجواب بين عجوزين على مشارف الخمسين، يبدوان وكأنهما على ابواب السبعين، بعدما التهم الهم والغم شباب كل منهما، فإذا بهما يتحاوران متَحَسِرين على ما فات وغير مستبشرين بما هو آتْ، لئن حصل هذا، لنكونن أمة تستحق كل ما يحيق بها من ويلاتْ.
آمل، ومعي كثيرون غيري، ألا تسود المخاوف التشاؤمية. وعلى رغم ان للتخوف ما يبرره، إلا ان الغرق فيه غير مبرر. ليس ضروريا تحقيق التطلعات دفعة واحدة. التغيير مسار يستغرق الكثير من الوقت. إنما من الضروري لجيل البوعزيزي، حيثما وُجِدْ، ان يكون صنع المستقبل همه الأساس، فيضع في مواقع المسؤولية من يستطيعون الابتكار، وأن يمنع من ليس همهم سوى اجترار شعار بعد آخر، من سحق أماني الثائرين على الطغاة والثائرات، ودفن أحلامهم.

مسؤولية المراجعة
مضمون الفقرة الرئيسية لمفكرة الأربعاء 25 نيسان الماضي (صحافة وثقافة.. أما من محاسبة؟) كان دعوة لمراجعة دورنا، كإعلاميين، خلال الأربعين عاما الماضية، والاعتراف اننا نتحمل، بدرجات متفاوتة، نصيباً مهماً من المسؤولية. كتبت: quot;الواقع أن الكل في همِ الأخطاء وغمِ الخطايا ليسوا فقط أهل شرق، بل وغرب، شمال وجنوب، أيضا. إنما ليسوا سواء. بيد أن quot;إنماquot; هذه لا تعجب كثيرين. يقولون: لِمَ الاستثناء. تقول: لأن واقع الحال يفرض تمييز حالة عن حالة، حتى إذا ما رياح التغيير هبت، تسيرها قيادات واعية بما تريد، فلا تفقد البوصلة، ولا تضل الطريق، خصوصا إذا هي زمامَها أسلمت، لمن يعتبرون أنهم للجماهير مرشدون، موجهون، معلمون وإعلاميونquot;. وختمت بما خلاصته ان من حق جمهور إعلامنا العربي quot;أن نتواضع، فنعترف له، ونعتذرquot;.
بعد النشر استطلعت آراء زميلات وزملاء في ما كانت هناك قضية تستحق نقاشا. الأغلبية وافقت ان هناك قضية، باستثناء إعلامي معروف، كان حتى عام مضى في موقع متقدم من إعلام بلده (أتجنب ذكر الإسم لأنني لم استأذن) قال لي مباشرة ما خلاصته: اختلف معك، الإعلام مرآة مرحلته. تمنيت على زميلات وزملاء الإسهام في النقاش. تجاوبت الشاعرة والباحثة التونسية آمال موسى فكتبت التالي:
quot;أوافق أغلب ما ورد في مقالة: quot;صحافة وثقافة .. أما من محاسبة؟quot;، غير أني اعتبر الاعتذار بقدر ما انه يرمز وينم عن سلوك أخلاقي مطلوب، فإن عمق الآثار الفادحة التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يفرض علينا شق طريق أكثر صعوبة من الاعتذار قولا، وهو: الاعتذار فعلا. أعتقد أننا بحاجة إلى أفعال صادقة تترجم الاعتذار، من خلال الانخراط في صحافة حرة ومهنية وموضوعية تقطع مع الولاءات التي لا تخلف سوى الخسارة مهما كانت الإغراءات الآنية كبيرة، من دون أن ننسى أن الاعتذار فعلا وممارسة لا يتوقف عند الإعلامي وحد،ه بل يتحدد ويبدأ من مجلس الإدارة، ثم رئاسة التحرير، وصولا إلى المحررين. لتكن عقيدتنا الكبرى، في المقالة المقبلة، ولتبقى المقالات السابقة مجرد منبهٍ داخلي في حالة الزيغ.quot;.

ومن جمال اسماعيل، الصحافي المصري، تلقيت التعقيب التالي:
quot;أريد بداية أن أنوه إلى أنني لن أغضب أو أحتج إذا ما تم حذف الواقعة التي أبدأ بها هذا التعليق، ليس عن تسامح أو إدعاء طيبة، أو عدم إهتمام، ولكن على أرضية من تفاؤل بلا حدود يجعلني أرى الحاضر أفضل وأترك الماضي ناظراً إلى المستقبل. دُعيت، في الماضي البعيد، إلى احتفالات دولة شقيقة بذكرى ثورة مجيدة من ثوراتنا التي أطاحت نُظُماً وجاءت بجديدة. يومها وصلت، مع غيري من الصحافيين، إلى الفندق المخصص لنا، وهناك كان وكيل وزارة الإعلام في إنتظارنا يرحب بنا، ويهمس في آذان بعضنا أن يوافيه (غداً) بأسئلة مكتوبة لإجراء حوار مع السيد الرئيس. مضت وقائع الإحتفال بالذكرى، وعشية مغادرة الوفود الإعلامية للبلاد انطلقت من الفندق حافلة، تضم كل من طلب مقابلة الرئيس، في طريقها إلى القصر الرئاسي. وهناك جرى المشهد على النحو التالي: quot;نحنquot; في قاعة إستقبال بها باب يقود إلى صالون رئاسي حيث يجلس الرئيس، ويقف المصور الخاص جاهزاً. يدخل الصحافي فينهض الرئيس لمصافحته ويجلسه إلى مقعد مجاور له، يسأله عن الحال والأحوال بينما المصور يلتقط الصور. وبعد دقائق تقصر أو تطول، حسب شهرة الصحافي وحجم صحيفته، يربت الرئيس على ذراع مقعده ويقول كلمة أو كلمتين، فيفهم الصحافي أن المقابلة انتهت، فينهض وينهض الرئيس وعند المصافحة يدخل مدير المراسم ليصطحب الصحافي إلى قاعة أخرى ليدخل إلى الرئيس بصحافي آخر، وهكذا. في قاعة الوداع يكون مسؤول الإعلام حاضراً ومعه مجموعة من المغلفات بأسماء الزملاء الحضور في القصر الرئاسي، وبداخل كل مغلف يجد كل زميل إجابات على الأسئلة التي تقدم بها، أما صور اللقاء فتصل إليه في مغلف آخر صباح اليوم التالي وقبيل مغادرته الفندق إلى المطار. تذكرت هذه الواقعة بمشاهدها المثيرة للإبتسام، أو السخرية، أو الأسى، وأنا أقرأ ما مقالة quot;صحافة وثقافة .. أما من محاسبة؟quot;، واتفق مع كاتبها عندما يقول أن quot;الكلquot; في هم الأخطاء أهل شرق وغرب وشمال وجنوب، أيضاً. أريد هنا استبدال quot;الكلquot; بـ quot;نحنquot; ، وأجدني أختلف عندما يضيف: quot;إنما ليسوا سواءquot;، إذ أرى أننا quot;نحنquot; سواء بلا تمييز حالة عن حالة، لأن الإختلاف حاصل في الشكل فحسب. quot;نحنquot;، وأقصد أهل الصحافة والإعلام، نمارس ndash; في معظم الأحوال ـ خطيئة التزييف عندما نرى الخلاص الفردي، والمؤسساتي أيضاً، في مديح السلطان، وهذا quot;سلو بلدناquot; منذ الأزل وإلى أن جاء صدام والقذافي وما بعدهما.
نعم، يوجد من بيننا من استطاع النجاة من الخطئية، وكان للنجاة ثمنها المدفوع حتماً، كما كان الحال في اغتيال الإعلامي المتميز محمد مصطفى رمضان على عتبات مسجد المركز الإسلامي في لندن. والقائمة حافلة وطويلة، وأطول منها قوائم من انزوى ودخل دوائر النسيان. تشير المقالة إلى رياح التغيير التي هبت، أو بتعبير آخر quot;الربيع العربيquot; الهاتف: الشعب يريد إسقاط النظام، ويتساءل الكاتب لماذا لم ترتفع شعارات مثل: الشعب يريد محاسبة الصحافة والصحفيين والإعلام والإعلاميين والفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين. وبصراحة أقول أنها تساؤلات تستفزني وتدفعني إلى قول ما قد يثير حفيظة البعض، بين أهلي وناسي وquot;الثوارquot;. لست على استعداد لذلك، ولا أريد أن أطيل أكثر مما أطلت، وأكتفي بإحالة كاتب المقالة إلى صفحات التواصل الإجتماعي وخاصة الفيسبوك، ليرى كيف أن quot;الشعبquot; الذي أسقط النظام تحول إلى إسقاط بعضه البعض. لقد تحول quot;الجميعquot; إلى صحفيين وإعلاميين ومفكريين ومثقفين. أنا من quot;شعب الفيسبوكquot;، وقبل أيام كتبت على صفحتي أقول: quot;خايف أقول إللي في قلبي، كي لا تنصب البذاءات عليَ وعلى أهليquot;. يبدو، في النهاية، أننا في حاجة إلى عقود من الزمن المقبل لكي يتحقق شعار لم يرفع بعد: الشعب يريد بناء الضمير والأخلاق. وساعتها تكون لدينا صحافة حرة لا تخضع لسلطان غير القارىء، ومؤسسات quot;بجدquot; تكون في خدمة بلاد تحترم المواطن والمواطنة.quot;.


سلمى دباغ صوت روائي جديد
الثلاثاء 13 ديسمبر 2011

قرأت اليوم مقابلة استوقفتني في صحيفة quot;متروquot;، فاحتفظت بالصفحة ضمن أرشيفي. نعم، على الطريقة القديمة. القصة عن روائية شابة، بريطانية المولد، عربية النشأة، فلسطينية الجذور، سلمى دباغ.
quot;آوت أوف إتquot;، عنوان رواية محتفى بها في حديث اجرته كلير ألفري مع سلمى. بدأت روائيتنا الشابة كتابة عملها هذا قبل اندلاع انتفاضة تونس ثم مصر، تقول: quot;أردت الكتابة عن أناس متمكنين، أذكياء، جذابين، ومن مدننا العربية. لم اعثر عليهم، فجأة تدفقوا الى شوارع تونس ومصرquot;.
وقائع رواية سلمى الدباغ تدور في غزة، رغم انها لم تزرها اطلاقا، فهي اسكتلندية المولد، والدها من جيل المهاجرين القدامى، وصل بريطانيا مباشرة بعد نكبة 1948 يحمل معه جرحا أصيب به جراء انفجار. عاشت سلمى في الكويت. زارت الضفة الغربية مرات عدة، لكن غزة بقيت بالنسبة لها quot;مكان مُتخيلquot;.
ربما من هنا عنوان الرواية، وربما ايضا عنوان المقابلة معها: quot;التركيز على غير المرئيquot;. تلمس سلمى في المقابلة معها وترا حساساً، عندما تشير الى مشكلة عدم ارضاء قارئها الفلسطيني، لأنها تجنبت الغرق في التفاصيل. وهي تطرق نقطة ساخنة ايضا إذ تشير الى quot;إفلاس القيادة الفلسطينيةquot;.
القراءة عن رواية سلمى دباغ، أعادتني الى 15 مايو 2008، عندما دُعيت للحديث امام ندوة للملتقى الثقافي العربي بلندن عن مآسي النكبة الفلسطينية، في مناسبة quot;اليوبيلquot; الماسي لإعلان دولة اسرائيل، وما تبعها من المآسي، فلسطينيا وعربياً. ذلك المساء ختمت الحديث قائلا ما مضمونه انني اتمنى، إذا بلغت اسرائيل قرناً من العمر وكانت حفيدتي في الخمسين (هي آنذاك في العاشرة) أن يكون وضع الحفيدة، واترابها من الفلسطينيين، افضل من وضعي ومن يجايلني. ان تكون هي وجيلها أكثر استقراراً، أماناً، واطمئنانا في وطن مستقل، ولو لم يكن في كل مساحة حلم الفلسطينيين وبحجم كامل حقوقهم. فوجئت بشاب قال انه من فلسطين، في منتصف العشرين، تقريبا، يرد بشيء من الغضب، بما مضمونه التالي: إن كان جيلكم تعب فنحن لم نتعب، ليس مهما لو بقينا كما نحن مئة سنة اضافية، المهم ان تستمر الثورة والمقاومة حتى تحرير كل فلسطين.
أجبت: لك كل الحق في رأيك، ولي حريتي في تمني ما اراه الأفضل لجيلك. ليس ضرورياً ان يكون كلانا على صوابٍ مُطلقْ، ولا أن يكون كلٌ منا مخطىء كُلياً.

موقع الكاتب: دار بكر