قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تعجز الكلمات وتخرس الألسنة حين نحاول الكتابة أو الحديث عن المأساة التي شهدتها قرية الحولة وبعدها قرية القبير من مجازر وحشية ذبح فيها الأطفال ونحر الأبرياء ومثِل بجثثهم في صدمة لن ينساها الضمير العالمي أبدا، وستبقى شاهدة على وحشية من ارتكبها. الشواهد الأولية تشير إلى تورط عناصر النظام السوري في هذه المذابح فهم مستمرون ولأكثر من أربعة عشر شهر يمارسون القتل والتخريب دون رادع في ظل موقف دولي عاجز بسبب حسابات سياسية ضيقة لا تبالي كثيراً بالقيم والأخلاق.

ولكن ومن أجل أن نفهم لماذا ارتكبت هذه المجازر الوحشية- إذا كان هناك من تفسير لهذا السلوك الموغل في الإجرام والهمجية - سنحاول ولو للحظات أن نتجاوز مشاعر الألم والحسرة لنعرف لماذا حدثت هذه المجازر، ومن يقف خلفها، وكيف برروا لأنفسهم الشريرة ذبح الأطفال والتنكيل بالأبرياء. التفسير الذي سأقدمه هنا سيختلف معه البعض بالطبع لكن عذري أن هذه المجازر بلغت من الوحشية ما يسمح لنا نحن العاجزون الذين اكتفينا بمشاهدة أشلاء ضحاياها على شاشات التلفاز أن نحاول ولو مجرد المشاركة بالحديث والتعليق لعله يخفف من الصدمة.

لذلك نقول أن من ارتكب هذه المجاز أراد أن يحدث صدمة للضمير الإنساني على طريقة ما يعرف في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية بالصدمة والترويع (shock and Awe ) التي استخدمها الجيش الأمريكي خلال الأيام الأولى لحربه على العراق. وهذا ما حدث بالفعل فقد روع العالم أجمع بمشهد الأطفال المذبوحين وصدم بمنظرهم هذه الأنفس البريئة وقد كبلت أيديهم وتركوا في برك دمائهم الطاهرة. نعم صدم العالم وتحركت العواصم الغربية تحديداً خلال الأيام التي تلت الكشف عن المجزرة بمستوى من الاهتمام تجاوز مجمل تحركاته واهتمامه طول فترة الأحداث كلها.

ولكن لماذا أراد مرتكبو هذه المجازر إحداث هذه الصدمة؟. الإجابة على هذا السؤال تحديداً تكشف لنا هوية العناصر الإجرامية التي ارتكبتها. هناك إجابتان لهذا السؤال. الأولى هو أن من تورط في الجريمة أراد أن ينقل الأحداث في سوريا إلى حرب طائفية قد لا تقتصر تبعاتها على سوريا. أما الإجابة الثانية فهي أن من ارتكب المجازر أراد أن يدفع المجتمع الدولي نحو تحرك عسكري ضد النظام السوري بعد أن وصل إلى قناعة باستحالة وقف آلة القتل اليومي دون تدخل عسكري دولي.

بالنسبة للإجابة الأولى علينا إذاً أن نحدد من هو أولئك الذين يريدون توريط سوريا والمنطقة في حرب طائفية لا تبقي ولا تذر. ويمكن القول أن النظام السوري بشكل عام قد يكون راغباً في هذا التحول من منطلق quot;علي وعلى أعدائيquot;. ولكن هل من مصلحة النظام التورط في مجازر وحشية تفقده الدعم القليل (ولكن المهم روسيا والصين) الذي تبقى له على الساحة الدولية وتدفع العالم للتحرك ضده على المستويين العسكري والجنائي من خلال تحريك دعاوى ضده بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟

إلا أنه ومن خلال مراقبة سلوك النظام السوري نجد أن الجهة الأكثر احتمالاً لدفع الأحداث نحو مواجهة طائفية هي مجموعة عناصر منشقة عن النظام لكنها لا تزال موالية له. ولكن كيف يكون العنصر منشقاً وموالياً في الوقت ذاته. أقول أنه وبعد مرور أكثر من سنة على المواجهة وبسبب ظهور مؤشرات على تسوية يترتب عليها تنازلات سياسية قد تكون بعض عناصر النظام المتشددة وجدت في الدفع بالأحداث نحو حرب طائفية الضمانة لقطع الطريق أمام أي تسويات ينتج عن خسائر للنظام ولها. ولاشك أن المجازر تعد أسرع طريق لتأجيج المشاعر للدخول في حرب طائفية؛ وهو ما بدأنا نشهد بوادر له في سوريا والمنطقة على المستوى المعنوي على الأقل. إذاً ارتكاب هذه يكشف عن صراع داخل النظام السوري.

كما لا يمكن استبعاد أن من ارتكب المجاز بقصد تأجيج حرب طائفية عناصر تنتمي إلى ميليشيات إقليمية قدمت من جوار سوريا (العراق تحدياً) وتتحرك في إطار استراتيجي يخشي من تبعات تغيير النظام السوري.
أما الإجابة الثانية للسؤال والتي تشير إلى أن ارتكاب هذه المجازر كان القصد منه دفع المجتمع الدولي المتردد لاتخاذ قرار التدخل العسكري فهي تشير إلى أن المتورطين هم عناصر منشقة أيضا ولكنها منشقة عن المعارضة.

ولكن هل يعقل أن يكون من بين المعارضة من يتورط في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بقتل الأطفال والتنكيل بالأبرياء؟ نقول إن الموقف الدولي العاجز عن وقف القتل اليومي قد يكون برر للبعض أن هذا العجز لا يمكن تجاوزه سوى من خلال صدمة وترويع توقظ الضمير الإنساني وتجعل المترددين من الزعامات الدولية يتخلون عن ترددهم ويدخلون في مواجهة مع ضمائرهم إن هم أكتفوا بدور الشاهد على مجازر يذبح فيها الأطفال دون تحمل مسئولية القيادة، أم ينتفضون على عجزهم ويبادرون إلى اتخاذ خطوات حاسمة باتجاه إقرار التدخل العسكري لوضع حد لهذه المجازر.

كما ذكرت فإن البعض قد لا يتفق مع هذه المحاولة لتفسير المجازر خاصة في جزئها الثاني، إلا أن علينا أن لا ننسى أن النفس البشرية قادرة على فعل أي شيء وتبريره لتحقيق أهدافها، والصراعات السياسية تجعل بعض الأفراد يجدون مشروعية لأي ممارسة مهما بدت وحشية.

أياً كان الفاعل فإن هذه المجازر تؤكد أن الأمر لم يعد يحتمل نصف المواقف ولابد من تحرك جاد وعاجل ولعل البداية تكون من موسكو لرفع الغطاء عن النظام السوري، ولكن كيف يمكن إقناع الكرملين بضرورة هذه الخطوة، لان البديل سيكون مزيداً من العنف سواء ببدء حرب طائفية أو التورط في تدخل عسكري غير مضمون النتائج.

أستاذ العلوم السياسية جامعة الملك سعود