تابعت بسعادة خطاب الرئيس محمد مرسي ليلة الخامس والعشرين من رمضان عقب العملية الجهادية التي أطاحت بحكم العسكر وأهوت بما تبقى من رموز حقبة ما قبل الثورة..

سعدت بهذا الخطاب لأنه كان خطاباً أممياً خرج فيه مرسي من ضيق القطرية إلى سعة العالمية، وقدم نفسه بأنه رجل أمة وليس رجل دولة وحسب. تحدث محمد مرسي في خطابه عن تاريخ الأمة الإسلامية وعن رقادها الذي طال، وعن نهضتها المأمولة، وتحدث عن الحروب الصليبية وعن صلاح الدين وتحرير المسجد الأقصى، وتطرق في الحديث إلى شريعة الإسلام، وقال إن الإسلام ليس إلا رسالة سلام، وإن جهاد المسلمين الأوائل كان يهدف إلى نقل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ولم يكن لإجبار الناس على الإسلام، وإن الله قد خلق الناس أحراراً وليس لأحد أن يكرههم على اعتناق دين خلافاً لقناعاتهم، وأشار إلى ضرورة أن يعيش العالم في سلام فينمو وينهض وينتج، وبذا صح أن نصفه بأنه خطاب أمة.

جدد هذا الخطاب الأمل في نفسي بأننا ندخل أبواب مرحلة جديدة تتعزز فيها الأواصر المشتركة بين الأمة ويتراجع فيها الخطاب القطري الموغل في الانغلاق على الذات والمبالغ في النرجسية، ذلك الخطاب الذي أرهقنا طوال المرحلة التاريخية السابقة ولم يزدنا إلا ضعفاً ووهناً وعزز عوامل الفرقة والشرذدمة والتفتيت بيننا..

مصر بما حباها الله من عناصر قوة مؤهلة لأن تقود العالم الإسلامي في مسار نهضته واستعادة دوره الحضاري، وفي ظل وجود نظام منتخب يعبر عن إرادة الشعوب فإن الأمانة التاريخية تقتضي من قيادة مصر الجديدة أن يتجاوز دورها الاهتمام بالشئون الداخلية إلى أن تكون رافعةً للوضع العربي والإسلامي بمجمله.

لقد سار النظام السابق على نهج فرعون الذي جعل أهلها شيعاً، فسعى إلى تعزيز عزلة مصر عن محيطها العربي والإسلامي وتغذية النعرات الجاهلية في نفوس الشعب المصري ليشغله عن معركته الحقيقية مع أعداء الأمة ويصنع له أعداءً وهميين يوجه طاقة غضبه عليهم فتارةً غزة وفلسطين وتارةً أخرى الجزائر وهكذا..

ولا بد من الاعتراف بأن السحر العظيم الذي مارسه فرعون عبر آلته الدعائية الضخمة، حتى وصل الأمر إلى وجود فضائية تحمل اسم الفراعين في تجسيد لمدى تغذية الانفصال عن الجسد العربي والإسلامي وإحياء النعرات الجاهلية، لا شك أن هذا السحر العظيم قد سحر أعين فريق من الشعب المصري وترك أثره في نفوسهم إذ علت القيمة المصرية في نفوسهم على القيمة العربية والإسلامية، وظهرت العصبية والحمية الجاهلية في التعامل مع الأشقاء العرب والمسلمين، وهو واقع يجرحني كثيراً حين أرى بعض المصريين ينسون أنهم جزء من محيط أوسع وأشمل ويتعاملون بحساسية مفرطة مع أي نصيحة أو اهتمام يبديها غيور على أمته تجاه أحوال مصر من غير المصريين..

لقد أعيد النفخ في رماد هذه النعرة الجاهلية بعد جريمة رفح إذ رأينا مسارعةً من الإعلام العكاشي إلى إلقاء التهم على الفلسطينيين وشيطنتهم وتصويرهم بأنهم أصل البلاء كله دون تحقق وانتظار بروز الأدلة، وبالرغم من أن الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت إدانته إلا أن واقع الحال يقول إن الأصل هو أن يعاقب الفلسطينيون حتى وإن ثبتت براءتهم، فقد دفع الفلسطينيون الثمن الباهظ لهذه الجريمة منذ اللحظة الأولى رغم أنه لم يثبت حتى الآن بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع تورط أي فلسطيني في الجريمة، بل إن عمليات الجيش المصري في سيناء وما تعرضوا له من اعتداءات من قبل مسلحين تؤشر على براءة غزة إذ كشفت هذه العمليات عن قوة نشاط العصابات الملسحة في سيناء، وأنه لا داعي لافتراض قدوم مسلحين من الخارج.

لكن هذه القرائن لم تشفع لغزة من العقاب الجماعي فلا يزال معبر رفح مغلقاً حتى هذه اللحظة سوى من أيام فتحه بشكل استثنائي، ولا تزال الأنفاق مغلقةً، ولمن لا يعرف أهمية الأنفاق لسكان غزة فهي تمثل شريان الحياة الوحيد لهم عدا عن دورها في التواصل الاجتماعي بين أفراد العائلة الواحدة في رفح المصرية ورفح الفلسطينية، وإغلاقها في ظل عدم وجود طريق مفتوح مع مصر يعني مضاعفةً للحصار ومعاناةً إنسانيةً متفاقمة.

نثق في موقف الرئيس محمد مرسي الرافض لعودة حصار غزة والحريص على إنهاء معاناتها، لكن الخشية هي أن حجم التحريض الإعلامي القوي ضد الفلسطينيين في الإعلام المصري، وبقايا الثقافة الجاهلية في نفوس فريق من المصريين قد أجبر الرئيس مرسي على التخفيف من نبرته تجاه كسر الحصار عن غزة، وما نرجوه هو ألا ينجح مخطط من يقفون خلف الجريمة الآثمة في الضغط على الرئيس مرسي لتغيير موقفه تجاه مأساة غزة التي لم يثبت تورطها في هذه الجريمة وحتى لو ثبت تورط أفراد منها فإن هذا لا يعد مبرراً للتراجع عن وعود كسر الحصار جذرياً وفتح المعبر للأفراد والبضائع على مدار الساعة.

لقد فرحت غزة بفوز مرسي بما لا يقل عن فرحة الشعب المصري، ومن المؤسف بعد ذلك أن يتسلل شعور بخيبة الأمل في نفوس الغزيين، ويتضاعف لديهم الإحساس بأنهم الطرف الأضعف دائماً الذي ليس له سند أو ظهير..

لقد أعاد خطاب الرئيس مرسي الأممي تذكيرنا بأننا أمة واحدة، وأعاد الثقة بتحررنا من حقبة الضعف والتفرق، ولأن غزة هي جزء من الأمة فهي لا تزال تنتظر نصيبها من مشروع النهضة الذي يحمل لواءه الرئيس محمد مرسي..

والله المستعان..

[email protected]