لا زالت الأحداث تتوالى، وتحطم يوما بعد آخر نسيج الأفكار التي يمكن أن نشكلها حول ما يقع في المنطقة. لهذا، يجب أن نعي جيدا اندماجنا فيها، بل لسنا في حل للاختيار، وكل ما سنكتبه وليد لحظة وعي، متداخلة الأبعاد بين الذاتي والموضوعي.
بعد مرحلة الثورة الأولى/مرحلة الوعي الأولى، نعيش موقنين المرحلة الثانية من مراحل الوعي المرتبط بمستقبلنا، ونقصد بالمرحلة الثانية ما وقع من أحداث أخيرة في مصر؛ أي الانقلاب العسكري. وأعتبرها لحظة وعي فارق مقارنة بالأولى؛ إذ نعتبر الحراك الأول كان قريبا من الاكتشاف للحظة التحرر، والاستمتاع بأجوائها غير المألوفة عند شعوبنا، وعيشا لواقع جديد بمنطق بدايات التجريب، لكن الأحداث الأخيرة أدخلتنا مرحلة الوعي الداخلي بعمق أكبر، والذي ميزنا فيه حدود وعينا الأول، وحدود كل حمولاتنا التحررية والديمقراطية والمدنية، وجميع الطروح التي كانت حلما إلى زمن قريب قبل الثورات الحاصلة.
لهذا، يمكننا الابتهاج مبدئيا، لأننا استطعنا أن نجد مختبرات واقعية في أوطاننا، نراكم فيها الوعي والتجربة، ونضع جميع الطروح التي كانت تنظٌر لما يجب أن يكون أمام مقياس واقعي لم يعد يفصل بين النظري والعملي، إن لم نقل أن إحراجا كبيرا يحاصر البعد النظري أمام سيولة الأحداث والمستجدات، ومتطلبات الشعوب والمستقبل.
-مرحلة الوعي الأولى، والتي أعتبرها لحظة لا يمكن الرجوع لما سبقها، وإنما دوما سنكون أبناء الوعي المنبني واللاحق عليها، جاءت بالحركات الإسلامية، كما كان يتوقع الجميع، وهذا ما لم يكن عنصر مفاجأة، كما وأيقظت الكثير من الاتجاهات الإيديولوجية الأخرى التي أصابها الترهل. وهذا يعني أننا قد تجاوزنا نسبيا واقع المسرح السياسي المفبرك الذي كنا نرزح فيه، وبات واقعنا السياسي ممثلا فعليا لاختياراتنا الانتخابة، وممثلا لوعي مرحلة ونضج ما.
هذه المرحلة أجمل المعاني التي حبلت بها: التقليل من حجم المجهود النظري الذي يمكن أن نقدمه لتفكيك بنية الوعي الحركي للإسلاميين، حيث باتت عورتهم السياسية بادية أمام الجميع، كما أنهم وغيرهم أصبحوا يقترحون وينظرون ويتجرأون على التنفيذ، مما يضعهم في مواجهة مجتمع يعايش ما يقررونه عليهم، ويتعلم أن يخالف الكثير مما يحاولون فرضه.
-مرحلة الوعي الثانية، أكدت مكانة الشباب التي حاول الكثيرون توهيمنا، أنه قد تمت المبالغة في قيمة حراكها ضمن ثورات المنطقة، ولهذا فتغييبهم المتعمد ضمن مسؤولي الحكومات الأولى، وداخل جل أجهزتها الرسمية، قدم الدليل أن المرحلة ملكهم دون منازع، وبأنهم إن لم يشكلوا المستقبل كما تصوروه عند حراكهم الأول، فلن تستقر الأوضاع، وسنعبر مجددا لمراحل وعي جديدة، إلى أن يعي الكثيرون قيمة المسقبل من خلال شبابنا (وعي مفارق لوعي جيل مترهل عايش الاستبداد).
مرحلة الوعي الثانية، قدمت لنا نموذجا لشباب عوض أن يحج لسوريا قصد الجهاد بعد الفتوى المعلومة، وعلى رأي صديقنا التونسي الباحث محمد الحداد، ارتأى أن يحج لميدان التحرير، ليقول لا لاستبداد من نوع جديد، وهنا لابد من التأكيد على وعي فارق قد حصل، هذا الوعي هو الثقة في الشباب، والتي يمكن أن نعول عليها في استرجاع الأمل في مصر بعد محاولة الجيش ابتلاع الحراك الثاني، الذي هو امتداد لثورة 25 دون شك. إذن يجب أن نثق مطلقا في هذا الجيل وفي حسه المتحرر، والمستقبل سيثبت ذلك.
لابد من ملاحظة مسألة أخرى استشعر الجميع وقعها، تتمثل في انعدام اتجاهات وأحزاب سياسية يمكن التعويل عليها في المنطقة عموما، بعد سنوات الاستبداد الطويلة، التي ابتلعت كل بذرة تحرر داخل هذه الأنسجة التي كانت سياسية فيما سبق. ولهذا فتجربة أو مرحلة الوعي الأولى جاءت بجيل عاصر الاستبداد وتمكن داخل مؤسساته، ولذلك لم يتقبل وعي صانعي الثورة الأولى، فاستبعد الشباب. أما مرحلة الوعي الثاني ستذكر مجددا بضرورة مشاركة الشباب وبقوة، ولنا في الخطاب ما قبل الأخير للرئيس مرسي، خير دليل على هذا الاجحاف في حق هذا الوعي المستقبلي، حين وعد (متأخرا) بأن يدمج الشباب في المؤسسات كمستشارين. ما يهمني أن مرحلتي الوعي المذكورتين، تعيدان التأسيس لجيل الغد من السياسيين والحقوقين، وكذلك المثقفين، وعلى مدى قد يخالف الكثير من توقعاتنا الزمنية، إذن فنحن في مرحلة بناء على صعد كثيرة ومختلفة، أفقها إيجابي، لا يستحق إلا التفاؤل.
مرحلة الوعي الثانية، عرت الكثير من سلبيات وعيوب أفكارنا، وأشكال تواصلنا وتوافقنا السياسي، والمفارقة أنها كشفت سطحية ما كان الشباب ينتقدونه عند الإخوان. وأقصد تحديدا أشكال التواصل بين الأطراف المختلفة بعد تدخل الجيش، فبتنا نسمع الاتهامات هنا وهناك، والتخوين، ولم يسمح كل اتجاه على الأقل للطرف المقابل بالتبرير والإقناع. كما لم يبد كل طرف أريحية في التواصل قد تصوغ أرضية تقبل ووعي واقعية، تجعل كل طرف مستعدا في كل لحظة للتراجع واتخاذ ما يناسب مستقبل البلد. لكن وبمنطق الإيجاب دوما، فالجميع سيستفيد من الدرس، إما باختيار ذكي، أو بجهل سينكسر أمام ما سيأتي من أحداث، لهذا، صم الآذان وكف الأبصار عن النظر وتجاهل الواقع، سيسير بالجميع مجددا للالتقاء في ميدان التحرير والساحات المصرية، ليقول مجددا لا للاستبداد، ويؤسس لميثاق جديد، سيزيد من وثاقة علاقات التحرر والديمقراطية، وسيمنح للاتجاهات والإيديولوجيات السياسية قيمة مجددا، ووعيا مغايرا. لذلك فالديمقراطية ستولد مرات عديدة في وعي شعوبنا، والحرية ستولد مرات عديدة، والمدنية كذلك وهكذا دواليك.
مرحلتي الوعي تشكلان تكاملا مع كل ما يقع في المنطقة، لهذا، فاستغلالهما من قبل بقايا الاستبداد، والجسم المريض الذي لا يزال يجثم على شعوب الكثيرين من أبناء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لم يكن عبثا، وإنما لقلب وجهة الدومينو مجددا نحو الارتداد الحضاري. وهذه قراءة الغباء المفكر، ممزوجا بمركزات من الاستبداد فاقع لونها، لم تستوعب بعد اتجاه شعوبنا، واتجاه التاريخ، وما يحاول أن يقوله الشباب اليوم و بسلمية تامة: الحرية فوق كل اعتبار، ومستعدون لدفع الثمن.
كما اثبتت المرحلتان أن الأصنام التي نعبد، إسلامية، ويسارية، وليبرالية..الخ، لا تساوي شيئا حين يغيب الإنسان باعتباره قيمة مؤطرة لكل ذلك. ولهذا، نتعلم بمنطق التجربة الثورية التغيرية، وطبيعة المرحلة الانتقالية، بكل عوائقها وحوافزها، أننا فوق الإيديولوجيات، ونحن هم الأوطان، والتأكيد على الإنسان في بعده الكوني؛ فنحن نريد الانضمام لمجمع الكرامة والحرية الإنسانية، لا أن نظل مشتلا لبحوث ومختبرات الاستبداد والتخلف. لذلك فإنسانيتنا مرجعيتنا، وعليها يجب أن نتوافق ونحترم أنفسنا ومستقبلنا.
- آخر تحديث :




التعليقات