قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك


مرة أخرى يصعب على الحركات والجماعات التي تربت في مدرسة الأخوان المسلمين الخروج عن منهج عاشت فيه طوال عقود، ورغم اختلاف مشاربهم وقراءاتهم وصولا لمن يقدمون أنفسهم على أنهم المحدثين لفكر الجماعة، فما زال الإصرار على امتلاكهم الحقيقة ومنهج التخفي وخطاب بوجهين يسيطر على فكرهم وتوجهاتهم.
نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية تظهر أن حركة النهضة ورغم تصريحات قيادتها ونفيها وإنكارها لدعم أي مرشح، وقفت صفاُ واحداُ مع مرشح حزب المؤتمر المنصف المرزوقي، والفوز الذي حققه في بعض الولايات هي نفسها التي فازت فيها النهضة في الانتخابات التشريعية.
الحركة أكدت استمرارها في خطابها المزدوج والتخفي وراء منهج استعملته طوال سنوات العمل السري، ومرة اخرى تؤكد عجزها فكرا وممارسة عن استيعاب فهم تحولها لحزب سياسي علني والقطع مع الماضي بكل ممارساته.
الشيء العسير على الفهم يتمحور في الأسباب التي دفعت بحزب ذو خليفة إسلامية تفاخر قيادته وأعضائه بمفاهيم إيمانية مبالغ فيها أحياناً بالصدق والتقوى والالتزام بالفروض، للجوء لهذه الأساليب والتنقل دون مبرر للتضليل ومنهاج التقية السياسية، والذي توقع الكثيرون أنها قطعت معها بتحولها لحزب مدني يتعامل بثقافة مختلفة وفهم بديل لما تعودت التعامل فيه.
الإصرار العجيب لقيادة النهضة ومجلس شورى الحركة في اجتماعات وحوارات استمرت لشهر كامل للإعلان أن لا مرشح لها في الانتخابات الرئاسية سقط بشكل مدوي، وبان بالكاشف أنها قررت والتزمت داخليا وخارجيا بالوقوف صفا واحدا وراء المرزوقي، وهذا التخفي سيضع الحركة في قادم الحراك السياسي في تونس أمام مواجهة واقع مختلف فمن سيأخذ على محمل الجد والصدق ما تعلنه الحركة وما تقوله قيادتها، بعد أن ظهر أن هنالك مطبخ خفي داخلها بعيد عن هياكلها القيادية يصنع ويقرر وينفذ حقيقة سياستها ويترجمها على الأرض.
فقدان ثقة الشركاء السياسيين الذي ستتعامل معهم النهضة في السنوات الخمس القادمة، سيجعل الشكوك والريبة تحيط مواقفها وتحركاتها بعد غرقها في التقية السياسية، مما أفقدها عنصرا أساسياً لا يمكن لأي جماعة العمل دون الحد الأدنى من المصداقية والذي خسرته دون رجعة.
قسمة حادة صنعها موقف النهضة في الشارع التونسي فمن كان متخوفاً مما تخفيه زادت مخاوفه، ومن كان مصدقا أنها ستقف على الحياد تأكد من انعدام مصداقيتها، فقط من كانوا يريدون سقوطها في الفخ سعدوا بغرقها في مستنقع التقية، والأسئلة القادمة كثيرة ومقلقة للحركة لأنها لا تمس موقفا عابرا بل منهج كامل سارت وتسير عليه مما يوحي بإمكانية العودة لكثير من صور الماضي السيئ الذي عرفته تونس جراء ذلك.
وقوف النهضة مع المرزوقي وترددها في إعلان ذلك صراحة قبل بدء عملية الانتخاب وانسحاب المتحدثين باسمها من مواجهة وسائل الإعلام، تبين التردي الذي أوصلتها إليه تحالفاتها الداخلية والخارجية وانعدام قدرتها على امتلاك قرار مستقل خارج هذه الارتباطات، وتؤشر لشكل سياستها في المرحلة القادمة مما يوحي باستعدادها للذهاب في كل الاتجاهات لتأكيد تحالفاتها الداخلية والخارجية مهما كان الثمن، والخطر من القادم يصبح أكثر حده لان الوضوح والصدق والشفافية غاب تماما عن مواقفها التي لا يعرف احد حقيقتها وماذا تفكر.
بعد أربعين عاما مازالت حركة النهضة بنفس قيادتها القديمة ومن التحقوا بها من أجيال مختلفة تسير بنفس الفكر والنهج، ومن صدق للحظات أن تغييراً حصل لدى بعض قياداتها في رؤيتهم وتفكيرهم، صدمته العودة السريعة للمربع الأول بفكر التقية والخطابين المزدوجين وبحركة لها مؤسسات علنية لا تصنع قرارها ولا تسيرها، بل تبقى الصورة الضبابية لقيادة في السر تفعل عكس ما يقال في العلن الأكثر قرباً للحقيقة.