في العاشر من تموز/يوليو 1971، كان المغاربة على موعد ساخن مع التاريخ في ظل ظروف دولية و إقليمية و محلية كانت تشهد أوضاعا إنقلابية ساخنة وفقا للمزاج السياسي السائد تلكم الإيام، و إستنادا للمتغيرات العنيفة التي ضربت العالم العربي و المغرب في النهاية جزءا منه يؤثر و يتأثر و يتفاعل مع ماكان يدور في المشرق العربي وقتذاك وحيث كانت مصر تعيش مرحلة إنتقالية قلقة بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر خريف عام 1970 ثم أحداث 15 مايو 1971 التي صفى الرئيس المصري الراحل أنور السادات بعدها بقايا الحقبة الناصرية وشرع في تدشين دولته ونظامه الخاص مع وجود فورة شبابية مصرية على خلفية الحديث عن عام الحسم مع إسرائيل و إنهاء حالة اللاحرب و اللاسلم في الشرق الأوسط منذ القبول بمشروع روجرز و إيقاف حرب الإستنزاف تكتيكيا وبعد صدمة الإقتتال الفلسطيني الأردني الذي أفرز واقعا عربيا ممزقا، وترافق ذلك مع أجواء الحرب الهندية الباكستانية التي ظهرت بعدها دولة بنغلاديش، في المغرب كانت الأمور تجري وفق السياقات المتعارف عليها في الصراع بين السلطة و المعارضة اليسارية خصوصا بعد أحداث الدار البيضاء عام 1965 ومن ثم خطف و إغتيال المعارض المغربي الشهير المهدي بنبركة في باريس في خريف 1965 وهي العملية التي لم تزل الكثير من جوانبها غامضة حتى اليوم بعد أن ظل مصير بنبركة في مجال التكهنات و الروايات المختلفة ولم تصدر رواية رسمية موثقة عن حقيقة ماحدث حتى اليوم رغم الإنفتاح الكبير الذي أظهره المخزن المغربي في مناقشة وعرض و كشف الكثير من الملفات الصعبة و الغامضة و الصعبة وخصوصا الملفات المتعلقة بالإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في مرحلة ( سنوات الرصاص ) في ستينيات و سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلا أن لقضية بنبركة حساسية خاصة ولايراد لملفاتها الحقيقية أن تظهر رغم رحيل جميع أطرافها و المتورطين في ثناياها للعالم الآخر؟، المهم إن المغرب كان يعيش في أوائل العقد السبعيني أوضاع داخلية متوترة ضمن الصراع السياسي الداخلي، وكانت المؤسسة العسكرية المغربية قد إمتد لها مؤثرات و تفاعلات ذلك الصراع وتم بالفعل التخطيط سريا لعدة محاولات إنقلابية من خلال محاولات حثيثة لإغتيال الملك الراحل الحسن الثاني وهي الخطط التي كانت تفشل قبل تنفيذها، ولكن ماحدث في قصر الصخيرات كان حالة تراجيدية خاصة، كونه كان يمثل حالة الإنفجار الكبير بين عناصر طموحة لم تكن تخفي تأثرها بموجة الإنقلابات العسكرية العربية في ستينيات القرن الماضي، كما أن تلك العناصر كانت تتنازعها مشاعر ومصالح و تيارات متضاربة و متناقضة ولم تكن تمتلك أي مشروع حقيقي للتغيير نحو الأفضل سوى أسلوب المغامرة، ففي العاشر من يوليو / تموز 1971 كان المغاربة على موعد دموي غير منتظر إذ حاصرت مجاميع من طلاب المدرسة العسكرية يقدر عددهم ب 1200 عنصر قصر الصخيرات الملكي الذي كانت تقام فيه وقتذاك حفلة ملكية بمناسبة عيد ميلاد الملك الحسن الثاني ال42 و أجتاحت تلك الكراديس و بوحشية مفرطة منشآت القصر بالقنابل والرشاشات و بقيادة العقيد محمد عبابو قائد المدرسة العسكرية والذي كان يلقب بنابليون الصغير و بتواطيء من كبير ضباط الملك ورئيس ديوان الضباط الجنرال محمد المذبوح وكان سيناريو الإجتياح العسكري شبيه لحد ما بما حدث في قصر الرحاب الملكي الهاشمي في العراق في 14 تموز/يوليو 1958، ولكن الهدف المتفق عليه مبدئيا بين الإنقلابيين لم يكن قتل الملك بل إجباره على التنحي و تكوين مجلس وصاية مؤقت، إلا أن القائد الميداني للإنقلاب ( عبابو ) قد حولها بأوامره المجنونة لمسرحية دموية ولمجزرة بشعة سقط فيها المئات من المدعوين وكبار الضيوف من السفراء و الموظفين الساميين، فيما إختفى الملك وكبار قادته في لجة الفوضى وتقاتل الإنقلابيون فيما بينهم وقتل صاحب فكرة الإنقلاب الجنرال المذبوح كما تم قتل عدد من الجنرالات وأسر البعض الآخر و إلحاقهم بالزمرة الإنقلابية التي حاولت فيما بعد السيطرة على المنشآت الرئيسية في العاصمة الرباط ومنها الإذاعة ولكن لم يأت منتصف تلك الليلة العاصفة حتى كان الإنقلاب قد فشل و إستعاد الحسن الثاني سلطته وبوشر بملاحقة الإنقلابيين وتم إعدام المتورطين من الجنرالات بعجالة وبعد محاكمات سريعة لم تطل كثيرا ولم تعرف خلالها الكثير من الحقائق المغيبة وباشر وزير الدفاع الجديد ( الجنرال محمد أوفقير ) حملة كبرى من التطهيرات داخل القوات المسلحة المغربية سرعان ما تبين أن الغرض منه كان الإعداد لمحاولة إنقلابية جديدة تتجنب أخطاء محاولة الصخيرات وفوضويتها، وهو ماحصل بالضبط بعد عام كامل وحيث تم الإعداد لتفجير طائرة الحسن الثاني في أجواء المغرب بعد عودته من زيارة رسمية لفرنسا في 16 اغسطس/ آب 1972!! وكان حاميها حراميها هذه المرة! وهو الجنرال أوفقير و قائد القوة الجوية المقدم أمقران وعدد آخر من الطيارين بعضهم لايعرف أصل الموضوع أصلا!، وفشلت بأعجوبة أيضا تلك المحاولة الرهيبة وتم إعدام المتورطين وأولهم الجنرال الرهيب محمد أوفقير وعدد كبير من الطيارين مما جعل المؤسسة العسكرية المغربية تصاب بإنتكاسة معنوية وقيادية رهيبة، ولم تنته الأزمة وتفاعلاتها فبعد شهور قليلة وفي ربيع عام 1973 فجر الإشتراكيون المغاربة وقتذاك حركة مسلحة في منطقة ( بوعزة ) قرب الحدود الجزائرية أسموها ( إنتفاضة مسلحة ) جريا على الموضة الشيوعية التي كانت سائدة وقتذاك ولكنها سرعان ما اخمدت بسبب عدم واقعيتها أو وجود حاضنة جماهيرية لها، ويبدو أن الأقدار كانت تقف لصف المغاربة فلو نجح إنقلاب الصخيرات أو الإنقلاب الذي تلاه، لتغير وجه المغرب بالكامل ولرأينا أمراض أهل الإنقلابات العسكرية في الشرق التعيس قد إنتقلت لتحط رحالها في أرض المغرب، ولكان الضباط المتكالبين على السلطة قد أدخلوا البلد في متاهات صراع داخلية كانت ستدمر الوحدة الداخلية المتميزة للشعب المغربي، فالعرش المغربي برغم كل التواقص وحتى المثالب في التجربة المغربية يظل صمام الأمان للوحدة الوطنية و المجتمعية بما بشكله من كوابح تاريخية وشرعية تمنع عملية التفكك الداخلي وتؤكد على وحدة الشعب المغربي و خصوصيته المتميزة، لقدنجح نظام الحسن الثاني في الحفاظ على المغرب الموحد و أعترفت المعارضة المغربية المسلحة بأخطائها الكبيرة وبتصوراتها البعيدة عن قراءة الواقع الميداني،ولكن ثمن ذلك كان موجعا تمثل في سيادة القبضة الأمنية وتدشين مرحلة سنوات القمع و الرصاص وتفشي الظلم والتجاوز على حقوق الإنسان كما حصل في ملفات السجون السرية الرهيبة مثل سجن ( تازمامرت ) الرهيب بين أعوام 1973 و 1991 وحيث قضى العشرات من المتهمين مصرعهم في ظروف رهيبة وبعضهم كان على وشك إطلاق السراح قبل تغييبه غير القانوني، لقد كانت مرحلة سوداء وهمجية ورهيبة إعترف بها النظام الحاكم وتدارك لتصحيح الموقف و تسوية الأمور و المصالحة مع النفس ومع الماضي، ودفع جميع المغاربة الثمن ولعب الملك الراحل الحسن الثاني دورا محوريا و مركزيا في عمليات تصحيح الأخطاء و الإعتراف بالخطايا وجبر الضرر و تعويض المتضررين من نتائج العاصفة الوطنية التي هبت على الشعب المغربي بأسره، وكان النموذج المغربي في المصالحة الوطنية فريدا و متميزا في العالم العربي بعد إعتراف الدولة بمسؤوليتها الأخلاقية، لقد إستطاع المغاربة حكاما و محكومين وبتجرد تام من تجاوز تلك المرحلة الصعبة وشرعوا منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في إنهاء ملفات تلك الفترة و أسسوا لما عرف بصيغة ( التناوب ) وسلمت رئاسة الحكومة عام 1998 لواحد من أشرس المعارضين وهو السيدالمناضل عبد الرحمن اليوسفي الذي تمكن وتحت رعاية الملك الحسن الثاني من تكريس أسس المصالحة و إسدال الستار على الماضي بكل آلامه و ملفاته الموجعة، ثم رحل الملك الحسن الثاني في 23 يوليو/ تموز 1999 ليدخل المغرب في الألفية الجديدة تحت حكم و أسلوب مختلف في القيادة عماده الإستثمار التام للطاقات الوطنية وتكريس الديمقراطية بشكل هاديء و بعيدا عن الضجيج المفتعل رغم وجود العديد من العراقيل و المشاكل التي لايمكن أن تختفي بين عشية وضحاها في بلد شاب محدود الموارد ولا زال يعاني من إشكاليات و تداعيات المراحل السابقة، ومع مجيء الملك محمد السادس تعمقت حالة الإستقرار وتم التركيز على ملفات التنمية الإقتصادية و تكريس الأمن و الأمان وحيث يعيش المغرب اليوم رغم أطنان الصعوبات أوضاعا أفضل بكثير من بقية العالم العربي، لا أحد يدعي بأن الأمور مثالية، ولكن النضال و الكفاح لم يزل مستمرا من أجل مغرب آمن وشعب يحاول اللحاق بركب الشعوب و الأمم الحرة، وقيادة تعرف السير في طريق الإصلاح وبعيدا عن مآسي و فواجع الإنقلابات التي تحولت لتاريخ مقروء ملي بالعبر و العظات و التجارب المؤلمة، المملكة المغربية اليوم تضع أقدامها في طريق المستقبل دون تجاهل مآسي الماضي القريب، فلم يعد هنالك صراع بين العرش وقوى المعارضة، بل تحول الصراع لبكون صراعا بين الشعب وقيادته من جهة و التحديات التي تواجه المغاربة من أجل دعم المسيرة الدستورية والتنمية في ظل عرش يوحد المغاربة ويقودهم نحو دروب المستقبل و التطور.&

&

[email protected]

&