ما تعرض له المسيحيون في الموصل من أذى كبير، في مس ديانتهم، وانتهاك بيوتهم وكنائسهم، وتهجيرهم، لقي إدانة واسعة وتضامنا حميما من كل أصحاب الضمائر الحية في العراق وفي العالم، وبالطبع أن الإدانة والتضامن لا تكفيان ولا تحقق شيئا ملموسا ومؤثرا،ومن غير المجدي المطالبة بعودتهم للعيش في ظلال بيارق داعش الملطخة بالدماء؛ فهكذا حياة هي والموت سواء، ولا حل إلا بكنس هذه العصابات المسعورة وتطهير الموصل، والعراق من شرورها الماثلة والقادمة!
لكن ثمة من نزل الساحة لتحويل هذه المأساة الأليمة إلى برنامج تلفزيوني،وأبواق للدعاية وتبرير أفعاله السيئة التي هي نفسها فتحت أبواب العراق لداعش والمليشيات الأخرى، وكانت وراء مأساة المسيحيين والمندائيين والعراقيين جميعا،في هذا الخراب الشامل!
فقد ظهر المالكي على التلفزيون يطالب العالم ان يقف صفاً واحدا (وراءه طبعا) في هذه القضية،دون أن يقول كيف سيحلها، لكن مجمل خطابه يؤشر أنه يقصد بقاءه في السلطة لحلها في يوم ما، ولا ندري متى سيحل هذا اليوم، وانبرت جوقاته بالغناء والأناشيد تصرخ وتتوعد بينما لا يجري في الواقع سوى المزيد من التخبط والتشبث بالسلطة! وهكذا مسار يطيل أمد بقاء داعش، ويطيل أمد مأساة المسيحيين والعراقيين جميعا!
بكل سذاجة يعتقد مطلقو هذه الأغاني والخطب والمقالات أن الناس سوف تصدقهم وترى ان قادة السلطة أبرياء أنقياء نزيهون يذوبون حبا بالمسيحيين، واتباع الديانات الأخرى. بينما الناس تدرك الحقيقة، وتتساءل : ماذا فعل هؤلاء عندما كانت الميليشيات المرتبطة بإيران وعلى مدى الأحد عشر عاما الماضية، وحتى الآن تقتل المسيحيين والمندائيين واتباع الديانات الأخرى وتهجرهم في البصرة والناصرية وبغداد والدورة والسيدية وكركوك وسنجار والموصل، حيث كانت تعرض عليهم نفس خيارات داعش: الإسلام أو الجزية أو القتل! (داعش في الموصل استبدلت القتل بالتهجير)
وكانت النتيجة أن قتل الكثير من المسيحيين والمندائيين ونهبت محلاتهم التجارية وأجلي مئات الآلاف منهم وصودرت بيوتهم بأيدي أصحاب اللحى والعمائم؟ هل يحتاج هؤلاء لعلم أسود، عليه بصمة الرسول؛ لكي يسموا بداعش؟
ماذا فعل المالكي لمرتكبي هذه الجرائم؟ لماذا لم يعتقلهم؟ لماذا لم ينقذ المسيحيين والمندائيين وكانوا لا يبعدون عنه سوى مسافة قصيرة، ولو كان يصغي جيدا للعالم الخارجي، وهو في مكتبه، لسمع صرخاتهم و استغاثاتهم!
تتحدث الإحصاءات الدولية المحايدة ، أن أكثر من مليون وربع مليون مسيحي هاجر قسرا من العراق بعد 2003 ، ولم يتبق منهم في العراق إلا حوالي مائتي ألف نسمة، وقد هاجر معظم المندائيين ولم يبق في العراق منهم سوى قلة لا تستطيع تحمل تكاليف الهجرة واللجوء،وهكذا في ظل حكم ديني يقوم على نهج حزب الدعوة،والمليشيات المتحالفة معه، أنهي وجود هذه المجموعات الإنسانية الطيبة التي عرفت بمساهمتها المميزة في بناء العراق الحديث!
ما يقع على المسيحيين من أذى واضطهاد وغمط لحقوقهم أكبر من أن يستعمل في لعب الصراع على السلطة ، وفي قضايا لا تلبث أن تطوى لتخلف أخرى تحلل ما حرم، وتحرم ما حلل في السابقة!
هذه القضية الخطيرة والمؤرقة يجب ان تكون مناسبة لفتح ملف العار الذي سيبقى على جبين كل أولئك الذين استعملوا الوطنية أو القومية أو الدين أو المذهب حربة لطعن أبناء الوطن المخلصين، الذين كل ذنبهم انهم أحبوا وطنهم وديارهم وقبور أسلافهم فتحملوا الضيم والجور من أجل أن يبقوا بجانبهم، ولا يلحقوا ملايين من أشقائهم مسيحيين ومندائيين الذي لم يعودوا قادرين على احتمال المزيد من الأذى؛ فهاجروا على موجات كبيرة في العهود المتعاقبة!
ثمة من يريد ان يضحك على الناس فيصور ان تهجير المسيحيين بدأ مع داعش، وهذا محض هراء! فداعش ليست سوى حلقة سوداء أخرى، من سلسلة انتهاكات فظيعة وقعت على أصحاب ديانات عرفت بكونها مسالمة مفعمة بالمحبة والنوايا الطيبة والنزعة الروحية الخالصة!
فإذا لم نتوغل في تاريخ العرق كثيرا، ونتحدث عن حكاية (الإسلام أو الجزية أو القتل) متى بدأت وكيف بدأت وماذا كانت نتائجها وهي حكاية طويلة ومعقدة وحساسة، فإن التاريخ الحديث يروي فظائع عما ارتكبه العثمانيون بحق المسيحيين في العراق خاصة الأرمن حيث لاحقوهم بعد هجرتهم من ديارهم إلى أطراف ووسط العراق،وقتلوهم وانتهكوا أعراضهم!
ومهما طال السكوت والتغطية فإن المذبحة التي تعرض لها الآثوريون ( وهم آشوريون أيضا) في قرية سميل في الثلاثينات من القرن الماضي ستبقى جرحا نازفا في ضمير العراق!
لقد تحدثت مصادر تاريخية كثيرة موثوقة عنها وبتفاصيل دقيقة مجمعة على هولها وفظاعتها،وقد جرى فيما بعد التغطية عليها،ولملمتها، ووضعها في رف المسكوت عنه، أورد هنا مقطعا تحدث به أحد شخوص روايتي (ليلة الهدهد) التي صدرت في العام الماضي، مستندا إلى خلاصة وصف لمؤرخين مختلفين:
"كان على رأس كتائب الحملة العسكرية الضابط بكر صدقي، وقد اشتهر بفظاظته وجلافته. وهو كردي مستعرب. قدم ما عده برهاناً على إخلاصه للعرب في قمعه قبل فترة قصيرة وبقسوة شديدة تمرد الكرد البرزانيين في مناطقهم، وهدفه من ذلك تصفية زعماء الأكراد ليكون هو زعيمهم، عندما يعلن دولته في ثورة كان يعد لها في فترة قريبة لاحقة!
كان عدد الرجال الآثوريين المتمردين، مسلحين، وغير مسلحين حوالي ألف وخمسمائة! وكانوا قد دخلوا الأراضي السورية، لاجئين احتجاجاً على خطة الحكومة لإسكانهم بالقوة دون تلبية مطالبهم السياسية. لكن الفرنسيين الذين يحكمون سوريا صدوهم، فعادوا إلى الأراضي العراقية، واجههم الجيش العراقي ببنادقه ومدافعه. قتل المئات منهم،. لم تستغرق معركة الجيش معهم لدحرهم سوى عشرين ساعة، لكن عمليات التنكيل بهم وبعوائلهم استغرقت أكثر من أسبوع، وعلى شكل متقطع لأكثر من شهر! قام الجنود بأمر من بكر صدقي بجمع العوائل في قرية سميل. أجبروا النساء على السير عاريات؛ ليختار الجنود منهن من يشتهون، اغتصبوا الكثيرات منهن، قتلوا أطفالهن أمامهن. اقتحموا الأديرة والكنائس، ذبحوا الكثير من الرهبان والقساوسة، أحرقوا كتبهم، وداسوا على أيقوناتهم وصلبانهم. تجاوز القتلى الثلاثة آلاف من الرجال والنساء والأطفال، ولم يغادر الجنود القرى الآشورية إلا بعد أن احرقوها وتأكدوا من عدم إمكانية عودة سكانها إليها. تناقل بعض الناس أخبار المذبحة في تفاخر، تحدث عنها رجال بمرح وكأنهم يروون نكاتاً: كيف أن بكر صدقي جعل السيارات العسكرية تدوس بعجلاتها على بطون النساء الآثوريات الحوامل لتنفجر كالبالونات بفرقعة(بم..بم..بم.. بم ) فتثير ضحكهم! قليلون أحس&إن ما حدث كان فظيعاً، وحشياً ومخزيا! عار لا يمحى! تحدثوا عن رجل دين مسلم جز لحيته قائلاً: لن أجعلها تطول ثانية حتى يعلن رجال الدين ومن على منابر المساجد، شجبهم لهذه الجريمة الشنيعة وتكفير بكر صدقي وجنوده، ومن أرسلهم. مورداً الآية التي تقول "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" ، قائلاً المقصود بالملوك: هم الضباط والجنود، وإذا لم يتبرأ المسلمون من هؤلاء فأنا بريء من إسلامهم! ولكن لا رجال الدين ولا رجال السياسة ولا رجال الثقافة، أدانوا أو استنكروا ذلك، ولا يعرف إن كان رجل الدين هذا قد ترك لحيته تطول ثانية أم لا! "
وحقائق التاريخ تؤكد ان معظم الأرض الشاسعة التي تقوم عليها كردستان اليوم، وما يسمى بالأراضي المتنازع عليها هي ارض الآشوريين والكلدان، وبعض المدن والقرى ما زالت تحمل أسماء آشورية وكلدانية( أربيل هي آربيلو وتعني باللغة البابلية "الآلهة الأربعة" ) ومنذ أوائل القرن الماضي وبتشجيع من العثمانيين تولى زعماء أكراد يقودون عصابات مسلحة إجلاء الآشوريين والكلدان من أرضهم هذه وانتزاع مزارعهم وبيوتهم منهم، حتى حوصروا في قرى وبلدات صغيرة في نينوى ودهوك وحرموا عليهم الحديث عن ارض أجدادهم وأسلافهم!كما استولى العرب والتركمان وغيرهم من المسلمين على الأجزاء الأخرى من أرض الشمال، وفي الوسط والجنوب استولى الفاتحون العرب المسلمون على ما تبقى من أرض بابل وأور.
وبالطبع لا يسع المرء إزاء ذلك إلا أن يركن إلى قانون التاريخ الذي تفنى فيه حضارات وتقوم على أنقاضها حضارات جديدة، ولكن وفق قاعدة لا تعتمد الإبادة أو الإخلاء، والطرد والتهجير؛ بل الاحتضان والتعايش المشترك واحترام حقائق التاريخ، وحقوق كل جماعة، خاصة حقها في الحفاظ على كيانها المستقل!
لن يتعافى العراق إذا أنهيت داعش هنا، وأبقيت دواعش هناك، لا بد من إنهاء الدعش والدواعش هنا وهناك ،فبقاء أي داعش سيفرخ دواعش أخرى، ولا يقطع الداء إلا من منبته،وجذوره!
&
يتبع...
الجزء الثاني





التعليقات