هو الذي لا يرى و لا يفكر إلا من خلال جماعته، و لا يسمع سوى ما تقوله فئته التي ينتمي إليها. تَمُّرُ جرائم الذين ينتمي إليهم أمام ناظريه فيحول انتباهه إلى جهةٍ أخرى، و في نفس الوقت لا يغفل عن أخطاء الآخر و خطاياه. إنتماؤه يعلو فوق إحساسه بحقوق الآخرين، هم ليسوا جديرين بما يعطيه لنفسه من ميزات و حريات، انتماؤهم ليس كانتمائه و لذا حقوقهم ليست كحقوقه.

المنتمي الأعمى هو كل إنسان لديه إنتماء يعلو فوق انتمائه لإنسانيته و يغطي على قدسية الحياة و الحقوق و حُرمة إهدارهما، لصالح الجماعة المُنتَمى إليها و "حفاظاً عليها". و هو أيضاً الذي يتطابق مع جماعته و يذوب فيها، يقصي عقله هو و يستعير عقل و "حكمة" الجماعة، ذلك أن الانتماء لأي شيء بشكل مطلق يقضي على حس النقد الذاتي لدى الإنسان و يضعف البصيرة.

كل انتماء قد يعمي صاحبه، لكن الانتماءات الدينية\الطائفية و القومية هي الأوفر حظاً في قائمة لا يُستثنى منها حتى الانتماء الوطني أحياناً. مهما ادعت هذه الانتماءات بأنها جماعية، هي تمثل فئات معينة و تستبعد الآخرين، لأنها تخص المنتمين بسمات هي حكر على الجماعة تميزها عن المختلفين عنها، و من ثم تضفي بناءً على هذه السمات حقوقاً لا يتمتع بها الآخرون. و لهذا لا يشعرُ المنتمي الأعمى بآلام الآخرين و لا يتعاطف مع عذاباتهم لأنهم لا يتمتعون في نظره بنفس الحقوق في الحياة.

عمى الانتماء درجات و مراحل، في أقصاها نجد المتطرف المستعد لسلب حق الآخر في الحياة في سبيل ما يمليه انتماؤه عليه، أو لفعل ما سيعتبره هو نفسه جريمةً لو بدر من الآخرين الذين هم من خارج انتمائه. بينما في المنتصف نجد المُتضامن الذي لا يقوم بالفعل بنفسه لكنه يتضامن مع الفاعل و يتعاطف معه و قد يُنَظِّر له. و أخيراً في أدنى السلم نجد المُنكِر (بكسر الكاف) و هو الذي ليس لديه استعداد للقيام بنفسه بفعل يؤذي الآخر أو يسلب حقوقه، و لا يتضامن مع الفاعل، لكنه لا يعترف بأن أفعال جماعته إنما تنبع من انتمائهم، فهو عادةً ما يُنكر أن يكون مرتكِب الجرم منتمياً حقيقياً أو أن أفعاله تمثل جوهر ذلك الانتماء. في هذه الحالة الأخيرة لا يعمى الإنسان عن قبح الفعل لكنه يعجز عن رؤية مسؤولية جماعته.

ما هو البديل إذاً؟

أن نعلي انتماءنا إلى الإنسانية فوق انتماءاتنا الدينية و الطائفية و القومية، لأن هذا الانتماء هو الوحيد الذي يضمن حقوق البشر جميعاً، و لهذا لا ينبغي لأي انتماء آخر أن يعلو عليه. كل الانتماءات الأخرى فرعية ضيقة يجب أن تخضع للانتماء الانساني الذي يحكمه مبدأ الحفاظ على الحياة و الحقوق لكل إنسان بغض النظر عن انتماءاته الفرعية، و إلا فلننتظر مزيداً من سفك الدماء.

&

* كاتب و شاعر عراقي [email protected]