&لجان فارغة بلا ناخبين، شباب «محبط» يقاطع التصويت رافضاً الذهاب لاختيار من يمثله تحت قبة البرلمان، شيوخ يتكئون على عكاز يدلون بأصواتهم ليرسموا مستقبل وطن لن يحصدوا ثماره، صناديق تنتظر أوراقاً تملأها وأصواتاً تعلن عن وجودها داخلها، إعلام منافق يستجدي الناخبين للنزول إلى اللجان حفظاً لماء الوجه، لتستمر خارطة الطريق وتكتمل صورتها بالانتخابات البرلمانية.. هذه هي صورة انتخابات برلمان مصر بلا رتوش، الأمر الذي ينذر بالخطر خلال المرحلة القادمة.

لا شك أن الشباب قاطع الانتخابات نتيجة الإحباط والاكتئاب الذي سكن دواخله، خاصة وأن أوضاع هؤلاء الشباب لم تتغير بعد، فهو لا يزال يبحث عن فرصة عمل يقتل بها شبح البطالة الذي يطارده منذ سنوات قبل ثورة يناير، حيث عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ذلك العهد الأسود في تاريخ مصر، الذي شهد سلسلة متعاقبة من الفساد والوساطة والمحسوبية، والظلم الاجتماعي الذي طال غالبية الشعب المصري، وأطاح به تحت خط الفقر..

نعم، عزوف الشباب لم يأت من فراغ، بعد أن فشل في ملامسة المستقبل، وفقد الأمل في «بكرة»، وسيطر عليه إحساس أن شيئاً لم يتغير، فالوضع كما هو، لا جديد يدفعه للتفاؤل على أرض وطنه، لا أحد يشعر به وبظروفه الحياتية، التي حرمته من الوظيفة والسكن والزوجة والاستقرار.

نعم، عزوف الشباب جاء نتيجة فقدان الثقة في المرشحين، الذين دخلوا الانتخابات بهدف الحصول على «الكرسي والحصانة»، والذين لن يخلو من فيروس الفساد الذي طال أغلب المسؤولين في الدولة، وكان آخرهم وزير الزراعة السابق الذي تم القبض عليه ويتعرض للمحاكمة حالياً بتهمة الرشوة.

مشكلة المرشحين أنهم فشلوا في إقناع الناخب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع لاختيارهم، لأنهم خاضوا الانتخابات بلا برنامج انتخابي واضح، معتمدين على الخطب الرنانة والشعارات الزائفة داخل دوائرهم الانتخابية، متناسين أن الناخب المصري «شبع» من هذا الهذيان والضحك على الذقون، وأنه مل خداع هؤلاء له، والذين لا يتذكروه على الإطلاق بمجرد جلوسهم تحت قبة البرلمان، لأنهم بعد الوصول للكرسي يركضون فقط خلف مصالحهم الشخصية، ليجمعوا أضعاف، أضعاف ما تكبدوه من أموال خلال حملتهم الانتخابية.

ما حدث، خير دليل على وجود أزمة ثقة بين الناخب والمرشح، فالناخب لم يصدق الكلام المعسول الذي يخدعه المرشح به، ولم يصدق أن أوضاعه البائسة قد تتغير على يد هؤلاء المنافقين، أما المرشح فقد فشل في إقناع الناخب ببرنامجه الضعيف المهترئ، ووعوده التي لم تتحقق أو تغير من مستوى معيشة الناخب.. والنتيجة كانت هذا العزوف عن انتخابات البرلمان، رغم خطورتها، فمجلس الشعب هو الذي يختاره الشعب، ليشارك في سن القوانين ويراقب أداء الحكومة ورئيس الجمهورية أيضاً، فإذا لم يختر الشعب نوابه، فمن يمثل هذا الشعب تحت قبة البرلمان.. من يدافع عن حقوق المواطن الضائعة بين أيدي الحكومة الملوثة بإهدار حقوقه، من يخدم المواطن بمشروعات ترفع من مستواه المعيشي..؟

إنها كارثة دستورية أن يعزف المواطن عن اختيار من يمثله، ويجد نواباً تحت القبة لا يعرفهم ولا يدري من اختارهم ومن أين أتوا..؟

لا شك أن الجميع خاسر في هذه الانتخابات، لكن الخسران الأكبر يقع على عاتق الناخب الذي رفض المشاركة في اختيار من يمثلونه، إلا أن الكارثة الأكبر تكمن في اللا مبالاة التي بدأت تسيطر على المواطن، وعودته للحالة الرثة التي كان عليها قبل ثورة 25 يناير، عندما كانت نتائج الانتخابات معروفة مسبقاً بـ «الخمس تسعات»، نتيجة عدم المشاركة فيها، مما كان يعطي الفرصة لرجال النظام لتزويرها لصالح من يتمتع بالولاء لهم، كما تنذر بعدم مشاركة المواطن في أي انتخابات قادمة، نتيجة استمرار الوضع كما هو عليه، خاصة وأن الدولة اهتمت فقط بإقامة المشروعات الكبيرة التي تمنحنا الصيت الخارجي و«الفشخرة» أمام العالم، مثل قناة السويس الجديدة والعاصمة الجديدة ومشروعات الإسكان العملاقة التي لا تتفق أسعار وحداتها مع إمكانيات الشباب المقبل على الزواج، لذلك كله أصيب المواطن بالإحباط بعد أن اكتشف أن هذه المشروعات العملاقة لن تعود عليه بالمنفعة لترفع من مستواه المعيشي أو تغير من واقعه المرير.. وهذا هو الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الدولة، تماماً مثل الذي يبني ناطحة سحاب دون أساس، فتكون مصيرها السقوط مع أول عاصفة تتعرض لها.

&

سلطان الحجار

كاتب مصري

[email protected]