&

في العاشر من ديسمبر في كل سنة تعقد الاحتفالات في شتي ارجاء المعمورة للاحتفاء بالاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948، وتقوم اجهزة الاعلام بمختلف انواعه بنقل وقائع هذا المناسبة الذي تم فيه الاعلان قبل اكثر من ستة عقود، ولكن ماذا تبقى من هذه الصحيفة، هل اكلت الارضة منها، ولم يتبقي من بنوده الثلاثين الا كلمة واحدة وهي الانسان، لانعرف في اي سياق جاءت، وفي اي معني، تم ذكر الانسان؟

الاعلان العالمي والعديد من المواثيق الدولية مثل معاهدة جنيف للاجئين 1951 ولدت نتيجة للكوراث التي حلت بالبشرية في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ولذا هذه المعاهدات ترجمت لسان حال المظلومين والمضطهدين في تلك الفترة الزمنية، والكثير من نصوصه حددت نفاذ هذه القوانين في منطقة جغرافية ثابتة وفترة زمينة معينة، مثل معاهدة جنيف للاجئين التي تمنح اللجوء في منطقة جغرافية ثابتة وهي اوربا وفترة زمينة، الى ان تم تعديل هذه المادة لاحقا في برتوكول سنة 1967، واصبح اللجوء لاينحصر لا في زمان او مكان، وبعد اكثر من ستين سنة ونيف نحن بحاجة الى اعلان جديد يحفظ للانسانية ماء وجهها، وما تبقي من كرامة انسانية، بعد ان اصبحت فتات على موائد اصحاب الجلالة والفخامة والمعالي، لابد من اعلان جديد يرجع الحياة الى حلبجة،المدينة التى اختفت فيها الحياة في لمحة بصر.

ولابد من اعلان عالمي جديد يسمع اصوات المئات من الالاف الذين خباؤا تحت الارض، ودفنوا وهم احياء، لكي لاتسمع صرخاتهم في عملية تسمي الانفال في كوردستان العراق، ونحن بامس الحاجة الى اعلان يحفظ البحر الابيض المتوسط من تخمته لالتهامه الالاف من بني البشر الذين يرمون انفسهم في قيعانه للخلاص من ضنك الحياة في بلادهم، ليصبحوا وليمة لاعشاب البحر، ولا اظن ان صورة الطفل ايلان بالبعيدة، السنا بحاجة الى اعلان جديد ينفض الغبار عن شعوب ومدن ابيدت عن بكرة ابيها، واختفى وجه الحياة من على ظهرها، واصبح دم الاطفال يخضب الابنية والجدران، الا نحتاج الى اعلان جديد يجعل التاريخ يخجل من فعلته امام الايزيديات من سبي وبيع في اسواق امير المؤمنين، وكيف نحفظ ونحمي قوافل اللاجئين على قارعة الطرقات الممتددة من اسوار تركيا الى قلب اوربا، يفترشون الارض سريرا والسماء غطاء.

&الا نستحق اعلانا جديدا يجمع الشتات بعد الربيع العربي الذي تحول الى خريف جفت فيه ينابيع الحياة في بلادنا، نحن بامس الحاجة ان نخبر احفادنا باننا طالبنا باعلان جديد لحفظ ماتبقي من كرامة الانسان، وان نخبرهم بان ارقام الضحايا مخيفة ومهولة، وانواع الجرائم يندى لها الجبين، وان هذه الارقام الضخمة من تساقط بني البشر كاوراق الخريف كانت محصلتها واحدة، كبرت الكروش والعروش، وارقام الضحايا تحولت في نهاية الامر الى ارقام في حسابات اصحاب المصالح المتحكمين بمفاصل العالم، مايحدث اليوم يذكرنا بالاساطير القديمة عندما غضبت الالهة على بني البشر، ولابد لهم من تقديم ملايين القرابين من فقراء وضعاف القوم لكى ترضي عنهم الالهة، ورغم الفواجع والمأسي اصبحنا ندفن امواتنا ونمشي عليهم ويبدو ان حالنا اضحى كحال المتنبي عندما قال:

رَماني الدّهرُ بالأرزاءِ حتى فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ

&فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ

لابد من صحفية عالمية جديدة لحقوق الانسان تحفظ لنا كرامتنا، والا فاقرأ على البشر في بلادنا السلام، مهلا هل نحن بحاجة الى اعلان جديد؟ ومافائدة الف او مليون اعلان عالمي جديد لحقوق الانسان، اذا كان مصيره مصيرسلفه،حبر على ورق، نحن بجاجة الى عالم جديد فيه الانسان قادر على التطبيق وليس اصدار القوانين والتشريعات فقط.