لا خلاف على أن واحدة من سمات الواقعية السياسية لدى السياسي العقلاني، هي عدم ركونه الكلي إلى الأحلام أو التصورات المسبقة ولا إلى التحرك وفق الإملاءات الخارجية التي غالباً ما تتعارض مع حقيقة ماهو قائم، إنما يكون تصوره للآتي وتحركه مبني على الملموس والمُعاش وقراءة الواقع والوقائع اليومية، أسبابها، مسببها، وسبل الخلاص من شِباكها، وذلك طالما كان المنظور المنطقي والمقبولُ حسب المقارنة الحياتية أفضل بكثير من الغائب المفترض سواءً إن كان سيغدو بهياً أم أسوأ مِن الراهن بعشرات المرات، لذا فنتصور بأن تلك القراءة الواقعية ربما كانت السبب المباشر الذي دفع بجهات تركمانية وعربية إلى تفضيل استقلال اقليم كردستان عن العراق الكلي، وهو حتماً بخلاف موقف مَن كان مبتلاً بداء النرجسية الحزبية أو خاضعاً لإملاءات الغير كبعض الجهات السياسة الكردية العاملة بما يُرضي لِحى الحاخامات في (قم).
فالعربي والتركماني الذين رأوا بأم أعينهما الأحداث الدموية في منطقتهما والتي كان مسببها الرئيس على الأغلب هو تنظيم داعش الدموي، إضافة إلى التنظيمات الطائفية الأخرى التي أثبتت بأنها لا تقل عن الدواعش هدراً لحقوق الناس وفتكاً بأرواحهم، مقارنة باستشعارهم الأمان الملحوظ في ظل سيطرة البيشمركة على مناطقهم هو ما رجَّح لديهم كفة مشروع الاستقلال، ولعله كان الدافع الأبرز والأساسي خلف مطالبة النائبة عن حزب الإصلاح التقدمي التركماني منى قهوجي بإجراء الإستفتاء بأسرع وقت ممكن، وذلك لأن الإستفتاء وإعلان إستقلال كوردستان حسب قولها سيُعالج كل المشاكل والخلافات الداخلية، حيث أضافت قهوجي لوسائل الإعلام "نحن كجهة سياسية تركمانية نطالب بالإسراع في إجراء الإستفتاء ونناشد جماهير كوردستان بكافة مكوناتها القومية والدينية والمذهبية دعم هذه العملية لنتمكن من الخلاص من الظلم والإضطهاد الذي فرض علينا منذ مئة عام هذا من جهة".
ومن جهةٍ أخرى قول شيخ عشائر الجبور في مناطق جنوب كركوك، مسرور ناجي الجبوري الناطق باسم الشيخ ابو حاتم الجبوري وشيوخ عشيرة الجبور والعرب الاصلاء في كركوك بأنه يدعو رئيس الاقليم مسعود بارزاني ومستشار مجلس أمن الاقليم مسرور بارزاني إلى إجراء الاستفتاء على استقلال دولة كوردستان بعد انتهاء مفعول اتفاقية سايكس بيكو، والقول بأنه "آن الأوان لتقرير مصيرنا لأنه لا مستقبل لنا مع حكومة بغداد حسب تعبيره".
فلا شك بأن هذين الموقفين لم يأتيا من فراغ، ولا كانت تصريحاتهم بدافع التودد أو كسب الودِ أو أنه لقاء حظوة ما لدى رئيس الاقليم وحكومته كما قد يتصور البعض، بما أن مَن يبحث عن الحظوة فالدول المجاورة للاقليم بامكانياتها الاقتصادية أبدى له من حكومة الاقليم، إنما يُستنتج من الموقف بأن الجهتين المطالبتين الاسراع بعملية الاستفتاء لم يعلنا موقفهما من باب المحاباة، باعتبار أن لكليهما امتدادات سياسية وروابط عرقية علنية مع دول الجوار أي مع مَن هم خارج الاقليم، وذلك بعد إدراك الرفض العلني لأغلب القوى الاقليمية لقضية الاستفتاء في الاقليم، ولكن مواقفهم تشير صراحةً بأن الفئتين المذكورتين غير خاضعتين لقوى خارجية ولا يأخذون أوامرهم وإرشاداتهم بهذا الصدد من دول الجوار، إنما يبدو أنهم ينظرون إلى مستقبل بلادهم من خلال المشاهد المرئية أمامهما، وأن الحقائق الملموسة هي التي يعولون عليها لمستقبل أولادهم وليس الخضوع لإملاءات هذه الجهة أو تلك، كما هو الحال لدى بعض الأطراف الكردية التي من باب الحسد التنظيمي العفن أو المزاحمة السياسية النتنة مستعدة بأن تكون بيادق جاهزة في متناول القوى المحيطة بالاقليم ضد أي قرارٍ تتخذه حكومة الاقليم.
إذ في الوقت الذي تعلن فيه حكومة الاقليم القطيعة مع بغداد والبدء بالاستفتاء، تفوه قيادي في حزب العمال الكوردستاني بمنطقة شنكال منذ أيام قائلاً: "بأنهم يتعاونون وينسقون رسمياً مع الحكومة العراقية وأنهم يستلمون رواتبهم من الدولة العراقية"، علماً أن دولة العبادي نفسها تمتنع عن دفع رواتب البيشمركة منذ شهور! وكذلك قول السيد سرحد شنكالي "بأنهم قوة عراقية ونشاطاتهم كلها ضمن التكوينة العراقية، وأن هدفهم ليس الانفصال عن العراق بل تشكيل مقاطعة سنجار وفقاً لرغبة المواطنين الايزيديين أي كانتون للاخوة الايزيديين على غرار كانتونات صالح مسلم وشركاه".
إذا فبالرغم من وقوف كل مِن تركيا وايران والعراق ضد مشروع استقلال كردستان، وبالرغم من أن الجبور عرب أقحاح وليسوا كرداً ولهم امتداد جغرافي مع العرب في الدولة المركزية في العراق، إلَّا أنهم يرون بأن استقلال الاقليم ضمانة لهم ولحقوقهم ولسلامة حياتهم والحفاظ على حياة من تبقى من أسرهم، وكذلك بالرغم من القرابة والجذور التاريخية التي تربط التركمان في الاقليم بالأتراك في تركيا، إلّا أنهم يسعون إلى استقلال الاقليم عن الدولة المركزية علَّهم ينجوا بأنفسهم وينقذوا أولادهم من الاقتتال والفوضى التي تعم معظم مناطق العراق، بينما الطرف الذي يدّعي بأنه كردي فهو من أول المعارضين مع الدوَل الاقليمية لاستقلال الاقليم، وهو ما يعني بأن هذا التنظيم السريالي لا يمت للواقع بصلة، ولا يعبر عن مواقفه ورؤاه من خلال المُعاش والملموس على أرض الواقع كما هو الحال بالنسبة للعرب والتركمان في الاقليم، إنما يُصرحون ويُعلنون إما وفق تصوراتهم الهلامية للعالم، أو وفق ما يُطلب منهم أو يُملى عليهم من دول الجوار، وأن مواقفهم ليست سوى نكايات أو صدىً لمواقف وغايات الدول الاقليمية.