قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يعرف الرجال وقت الشدائد، ومن قلب الأزمات يخرج الأبطال، تفرز المواجهات العسكرية القادة العسكريين، أما الحروب السياسية فتكشف عن الزعماء الحقيقيين.

مع اقتراب الذكري الثانية للإستفتاء الذى نظمه إقليم كردستان للإستقلال عن العراق، وما تبع ذلك من إعلان قوى إقليمية ودولية فرض الحصار على الإقليم، ومنع الرحلات الجوية من وإلى مطاراته، وإغلاق المنافذ والحدود من دول الجوار.

جغرافية الإقليم لم تنجو من الإجراءات العقابية بحق كردستان وشعبها، ففي السادس عشر من أكتوبر 2017 أى بعد أقل من 3 أسابيع من عملية الإستفتاء شن الجيش العراقي بدعم من قوى إقليمية وبتؤاطو من قوى كردية حملة عسكرية استهدفت مدينة كركوك التى تشبه فى أهميتها بالنسبة للكرد مدينة القدس بالنسبة للمسلمين.

نتج عن التدخل العسكري فى كركوك تهجير  168 ألف شخص من مناطق كركوك و طوزخورماتو الی أربیل والسلیمانیة .

أيام ثقيلة مرت على كردستان وشعبها، كان الوضع أشبه بكابوس طويل، بعد أن تفلتت الأمور وبدأت القوى الإقليمية تحرك عناصرها للتظاهر ضد رئاسة الإقليم وما تبع ذلك من إعلان السيد مسعود برزاني الإنسحاب من المشهد، والتخلى عن الرئاسة ورفض الترشح مرة أخرى.

وفى وسط هذا المشهد الضبابي، وبينما دفة الإقليم تائهة، بعد خلو مقعد القيادة، واختلاط الحابل بالنابل، تولى إدارة الإقليم السيد نيجرفان بارزاني كقائم بأعمال رئاسة الإقليم، بالإضافة لمنصبه الرسمي كرئيس لوزراء كردستان ونائب لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ظهر السيد نيجرفان بارزاني، كالمنقذ لكردستان فى واحدة من أحلك فتراتها، كان الجميع ينتظر من ربان السفينة أن يقودهم لبر الأمان، وينتشل زمام الإقليم من شبح الفوضي والتقسيم التى سعت لها قوى إقليمية ودولية.

رغم ثقل الحمل، وصعوبة المهمة، نجح نيجرفان بارزاني أن يواجه أمواج الغضب، ويطفىء نيران الحرب التي أراد البعض إشعالها فى كردستان وشعبها.

رغم إيمانه بحق كردستان فى تنظيم استفتاء واعتباره يوم تاريخي لشعب كردستان، أعلن نيجرفان بارزاني بعد اجتماع حكومة الإقليم فى 25 أكتوبر 2017  تجمید نتائج استفتاء استقلال كوردستان، ووقف اطلاق النار و الهجمات العسكریة مع الحكومة الفدرالیة داعيا حكومة بغداد لحوار على أساس مبادىء الدستور.

أدرك نيجرفان منذ اليوم الأول للأزمة أن لا سبيل لمواجهة العدو الخارجي سوى بتوحيد الصف الداخلي، فإجتمع في 21/11/2017 مع أغلبیة الأحزاب الكردیة  وذلك بحضور وفد من حكومة الإقلیم.

بالتوازى مع جهود توحيد الصف الكردي، واصل نيجرفان بارزاني رسائله لحكومة بغداد داعيا اياها لفك وانهاء اجراءاتها العقابية ضد الإقليم، واجتمع  بتاريخ 29/11/2017 مع فواد معصوم رئیس جمهوریة العراق خلال زيارته لأربيل، وناقش معه سبل استئناف علاقات الطرفین.

كما سعي نيجرفان خلال تلك الفترة لتحسين العلاقات الكردية الأوربية التي تأثرت بإجراء الإستفتاء، ففي 2 ديسمبر 2017 سافر إلى باريس واجتمع فى قصر الاليزيه مع الرئيس الفرنسي ماكرون، وناقشا معا سبل حل الخلافات بين أربيل وبغداد.

بعد زيارة باريس بعشرة أيام، استطاع نيجرفان أن ينتزع اعتراف بحقوق الشعب الكردي ودعما لتطلعاته وأحلامه المشروعة من تيريزا ماي رئيس وزراء بريطانيا وذلك عبر اتصال هاتفي جمع الطرفين فى الثاني عشر من ديسمبر 2017.

فى 18 ديسمبر، اجتمع بارزاني فى المانيا بالمستشارة انجيلا ميركل لبحث التعاون بين أربيل وبرلين فى مجال مكافحة الإرهاب وضرورة حل الأزمة بين إقليم كردستان وحكومة بغداد.

جولة بارزاني الأوربية، لم تنته عند حدود عودته من الخارج بل توالت عليه الرسائل والاتصالات من زعماء الغرب الداعين لسرعة انهاء الخلاف بين أربيل وبغداد، ففي 27 ديسمبر تلقي السيد نيجرفان بارزاني بصفته رئيس وزراء كردستان رسالة خطية من  باولو جينتيلوني رئيس وزراء إيطاليا يعلن فيها عن أمله فى سرعة بدء الحوار وحل الخلاف بين كردستان وبغداد.

كما تلقي اتصالا هاتفيا  فى السادس عشر من يناير 2018 من وزير الخارجية الأمريكي فى ذلك الوقت ريكس تيلرسون يعلن فيه دعم واشنطن واهتمامها بالحفاظ على علاقاتها مع كردستان، داعيا إلى تنسيق وتعاون أكبر بين أربيل وواشنطن وحكومة بغداد، واستعداد بلاده لدعم الحوار بين بغداد وأربيل.

هذه الحالة من النشاط السياسي والدبلوماسي التى أحدثها نيجرفان بارزاني عقب أزمة الاستفتاء ٱتت ثمارها سريعا، فبعد أقل من  ٤ أشهر من يوم الاستفتاء وبالتحديد في  23/1/2018 وصل نيجرفان بارزاني إلی دافوس للمشاركة فى المنتدى الاقتصادى العالمى، واجتمع لاول مرة مع حیدر العبادي رپيس وزراء العراق فى ذلك الوقت والذى سبق وفرض حصارا جويا وبريا على الإقليم عقب الاستفتاء! 

اجتماع نيجرفان بارزاني مع العبادى وتهدئة الأجواء مع بغداد سبقه زيارات مكوكية إلى أنقرة وطهران نجح خلالهم فى رأب الصدع مع حكومتى البلدين ما سهل من عملية عودة الإقليم لمرحلة ما قبل الاستفتاء ورفع كل الإجراءات العقابية التى تم فرضها على كردستان بعده.

لم يمر سوي أيام قليلة بعد هذا الحراك الذى صنعه نيجرفان بارزاني، واستطاع به قيادة دفة كردستان العراق إلى برالأمان بعد أن تلاعبت بها الأمواج، وتأمر وتؤاطا ضدها الكثير من دول العالم، حتى دقت ساعة الانتخابات العراقية وبدأ موسم التربيطات الانتخابية، فإذا بالإقليم الذى كان تحت الحصار منذ أسابيع قليلة يتحول إلى قبلة للساسة والقوي العراقية المختلفة.

نجح برزاني الذى كان يقود الحزب الديمقراطي الكردستاني بصفته نائب الرئيس أن يجعل من الحزب الرقم الصعب فى الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت فى مايو 2018 ، فالحزب الذى أدار قادته الاستفتاء الذى وصفع ساسة بغداد بالباطل، نجح رغم ما تعرض له من ظلم واضطهاد فى حصد المركز الخامس على مستوي العراق فى عدد النواب، والأول فى عدد الاصوات التى حصدها حزبا بشكل منفرد.

ولعب نيجرفان بارزاني دورا كبيرا فى لم شمل القوى العراقية، وساهم بشكل كبير فى تقريب وجهات النظر حول تشكيل الكتلة الأكبر وتكليف رئيس الوزراء، كما نافس بقوة فى انتخابات الرئاسة العراقية.

النجاح فى الانتخابات العراقية عزز موقف الديمقراطي فى تحقيق أكثرية مريحة فى انتخابات برلمان كردستان التي جرت فى ديسمبر 2018، ونجح الحزب فى حصد 45 مقعدا من أصل 110.

وفى ظل هذه النجاحات المتكررة والمستمرة التي حققها الإقليم والحزب الديمقراطي تحت قيادة نيجرفان بارزاني،  كان طبيعيا أن يعلن الحزب الديمقراطي إعادة تفعيل مؤسسة رئاسة الإقليم وترشيح نيجرفان بارزاني رئيسا جديدا ، وهو ما تحقق بالتوافق مع القوى الحزبية الكردية.

ونحن على أبواب الذكري الثانية لإستفتاء كردستان، ربما يجدر بنا أن نشكر تلك الأزمة التى ساهمت بشكل كبير فى ظهور السيد نيجرفان بارزاني، وإعادة اكتشافه كسياسي بارع، وزعيم وطني، وقائد محنك، يمكن الاعتماد عليه فى أحلك الأمور، حق لشعب كردستان أن يطمئن على مستقبله ومستقبل أولاده فى ظل وجود الرئيس نيجرفان بارزاني الذى يجيد إدارة الأزمات، والإنتصار فى المعارك مهما كانت صعوبتها وذلك دون طلقة رصاص واحدة.