وما أن مددت يدي بالمغرفة الكبيرة بشكل احترافي، غرفت به جزء لا بأس به من الطبق الفاخر حتي صاح الزميل الفرنسي "تيرى" الذي كان يشاهد طريقة الغرف أنتم المصريون تأكلون كثيرا، لم ارد عليه في الحال حتي لا افسد شهيتي للطبق الفاخر، بل عاجلت الطبق بغرفة ثانية التزم الزميل بعدها الصمت وكانت أفضل رد على الحرب النفسية التي شنها علي حتي يفسد شهيتي.

أما الطبق فهو يسمي بالأسبانية "كوسيدو ليبانيجو" وهو عبارة ورق الكرنب المطبوخ مع الحمص والرز وصلصة الطماطم وقطع من الخبز الأسود والفاصوليا البيضاء، أما قمة الطبق فكانت مغطاة بقطع من الدهون ولحم البط الذي كانت رائحته تفوح في المكان، هذا الطبق واحد من أشهر أطعمة ولاية كانتبريا في شمال أسبانيا، وهو يشبه طبق الفتة المصرى مع اختلاف المكونات، خمسة اشخاص حول الطبق ولم نستطيع إلتهام اكثر من النصف بعد الشبع التام.

هذا الطبق الكبير يقدمه أشهر مطعم في مدينة بوتوس الأسبانية ويأتي الناس إليه من كل مكان لتناوله، الأجواء في المطعم ليست غريبة عني فالأسبان يتحدثون بصوت مرتفع كما في بلادنا، المكان كان غارقا في الضوضاء والجلبة، إضافة إلى أن الطعام قريب من الطعام العربي وهذه أسباب ساعدت ولاشك في هزيمة الزملاء المصطفين بجواري حول الطبق الفخم وهم من إيطاليا وأسبانيا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا، إذ أن أحد بنود برنامج الرحلة هو تذوق الطعام الأسباني والتعرف عليه .

علم العرب الأسبان الكثير من طرق الطهي وأدخلوا إلى المطبخ الأسباني الكثير من المحاصيل الجديدة أهمها..الخضروات، والبهارات، وعلموهم طرق الزراعة، ومدوا شبكات الري المعقدة، وساهموا في ترشيد طرق المياه ، ومن أشهر الكلمات التي تنطق بالعربية في هذا المجال " السوق،والرز، والربع وحدة القياس، والزعفران، والسوسن،والريحان، " فقد استمر وجود العرب سبعة قرون حتي سقطت غرناطة في عام1492 م، وما زالت البقوليات مثل الفاصوليا، والبسلة، والحمص، وغيرها تباع في الأسواق في أجولة كما تباع عند العطارين في المغرب ومصر .

أشهر طبق شعبي في أسبانيا وهو "البابيا"، وهو مشتق من الكلمة العربية" بقية " ويتكون من رز ومكعبات من لحم الدجاج أو السي فود مثل الجمبري والمحار والحبار وغيرها من منتجات البحر، أما أصل التسمية فقد جاء من قصور الحكام العرب عندما كانت تنتهي الولائم فكان الخدم يجمعون بقايا الطعام معا ويحملونه إلى منازلهم، ومن هنا جاءت تسمية البقية والتي تحورت مع الزمن إلى البابيا .

لايمكن أن تزور أسبانيا دون أن تجرب مطاعم الأسماك التي تقدم أشهي المأكولات، وغالبا ما تقدم صواني الأسماك أو الحبار والجمبري والاستاكوزا مطبوخة مع الرز ومكونات بحرية أخرى، وغالبا ماتكون غارقة في شوربة الأسماك المدعمة بالثوم والبصل وهي تشبه صواني الأسماك في المطبخ المصري .

في أشهر مطاعم الأسماك في سانتاندر عاصمة مقاطعة كانتبريا اصطففنا مرة أخرى، حول الطبق الأول وهو "برنقيل البط "وهي قشريات بحرية تشبه ارجل الطيور تلتصق بصخور المحيط الأطلنطي الذي تطل عليه مقاطعة كانتبريا سعر الكيلو في أسبانيا حوالي 40 يورو، أما في الخارج فيصل إلى 200 يورو وهو له طعم مالح يقترب من طعم أم الخلول .. بالطبع كان التفوق هذه المرة أيضا مصريا ،إذ انه يلزم تفريغه من القشر في الفم بطريقة تشبه قزقزة اللب التي لم يعتادها الأوروبين.

كان واضحا أن تيري اعلن استسلامه عندما بدأ حديثه مرة أخرى عن أكل المصرين وقال: إنه قضي أسبوعا في قرية الجونة في البحر الأحمر تعرف فيها على الطعام المصري،واثني كثيرا على جمال المناطق السياحية في البحر الأحمر، لكنه قال أن المصريون يلتهمون كميات كبيرة من الطعام، فقلت له دفاعا عني وعن المصريين ولما لا فالجسم الصحي يأكل بشكل جيد!!.

قطع وصول النادل حديث الزميل وهو يحمل صنية كبيرة هي أيضا من الأكلات الأسبانية الشهيرة على طريقة أهل الشمال وتسمي استاكوزا بالرز والبصل والخضار، كانت الرائحة المنبعثة من الصنية تفتح الشعية المفتوحة أصلا من البرنقيل .

أطباق الطعام الفردية غير المشتركة كانت تخضع للرغبة الخاصة، والتي غاليا ماتكون مكوناتها أيضأ الأسماك،فطبق الحبار بالبصل من اشهر أطباق الشمال، والاسكالوب أيضا، أما ستيك لحم البقر بالبطاطس والجبنة الركفور لايمكن مقاومة طعمه الساحر.

من أغلي الأكلات أيضأ ثعابين البحر الصغيرة والتي لا يزيد طولها عن 10 سنتيمتر، وهي يتم اصطيادها قرب سواحل المغرب، ومشهورة في أسبانيا وتقدم في ساندويتشات معقطع من اسماك السلمون، ويمكن مقارنتها في الطعم بالكافيار الروسي غالي الثمن.

يقولون لايمكن ان تكون في مقاطعة كانتبريا ولا تتذوق الانشوجة، إنك تجدها هنا في كل مكان، في جميع الأسواق.. سافرنا 50 كيلومتر إلى منطقة سانتونيا أشهر مناطق صيد الانشوجة لتذوقها، خاصة المحفوظة في زيت الزيتون، فزيت الزيتون في أسبانيا علي كل الموائد وفي كل المطابخ، لقد شرح لي أحد الباعة في أحد الأسواق كيف تأكل الشيبسي بالجبنة وزيت الزيتون.

لايمكن أن تتحدث عن ثقافة الطعام في أسبانيا دون أن تتحدث عن الجبن، أنواع عديدة منه، لكن يبقي أشهر الأنواع هي جبنة الشيدر الزرقاء التي تصنع من جبن الماعز والأبقار وتوضع لمدة 3 شهور في كهف في جبل كابراليس حتي تأخذ اللون الأزرق ويصبح مذاقها رائعا، والقرص الصغير مها قد يصل حجمه إلى كيلو جرام وسعره إلى 15 يورو.

أطباق الحلويات عديدة ومتنوعة ، أشهي ماتذوقته هو طبق الجبن بمربي السفرجل، و كيكة شهيرة تسمي سواب وهي قريبة جدا من طعم الكيك بنكهة البرتقال في مصر، ويمكن غمسها في كوب من اللبن أو الشاي وأكلها.