قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كعادة أي دكتاتور في العالم يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى تسويق أزماته الداخلية الى خارج دولته عبرغزو أراضي الغير وإفتعال الأزمات الدولية والإقليمية.

فمما لاشك فيه أن هذا الحاكم المتعجرف تحول فعلا الى دكتاتور يداعب خياله حلم إستعادة الإمبراطورية العثمانية الزائلة رغم أن بيته الداخلي أصبح آيلا للسقوط بسبب ممارساته التعسفية ضد المعارضين لحكمه، ولذلك يحاول بشتى الطرق إسكات كل الأصوات المعارضة بزج مئات الألوف من المثقفين والصحفيين والنشطاء السياسيين وحتى البرلمانيين المعارضين له الى السجون والمعتقلات، الى جانب إشغال شعبه بأزمات مفتعلة خارج حدود بلاده. وإلا ليس هناك أي مبرر موضوعي لإرسال جيشه الى ليبيا لمساندة فايز السراج الذي يدعي الشرعية الدولية، ولا غزوه الأراضي السورية تحت مسمى محاربة الإرهاب وهو من يرعى التنظيمات الإرهابية ويعطيها الملاذ والسلاح والأموال!.

فيما يتعلق بليبيا حتى لو سلمنا بشرعية حكومة السراج، فليست من واجبات تركيا أن تقوم بدور شرطي الأمم المتحدة لفرضها على الليبيين. أما اذا كان الهدف هو ترسيم الحدود المائية فإن ذلك لايحتاج الى تجييش الجيوش، بل يمكن إنجاز ذلك عبر التفاوض الدبلوماسي بما يرضي جميع الأطراف.

أما ما يتعلق بسوريا وبتدخل تركيا هناك، فرغم أن المبرر الأساسي هو ما يدعيه اردوغان من حماية حدودها من عناصر حزب العمال الكردستاني، فإن ما يدحض هذه الكذبة الصارخة هو أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المسيطر على المناطق الكردية بسوريا لم تشن ولو هجوما واحدا على حدود تركيا طيلة سنوات تأسيسه، فحزب العمال العدو لتركيا ينشط داخل الأراضي التركية أو على الأقل في جبال قنديل على حدودها المتاخمة للعراق وليس في سوريا!.

ان التحركات العسكرية التركية في المنطقة عموما تشي برغبة الرئيس التركي لتنصيب نفسه قائدا عاما للمنطقة، أو على الأقل إنشاء مناطق نفوذ لنظامه في المنطقة مثل الدول العظمى التي تسيطر على قرارات بعض الدول عبر نفوذها وهذا أمر معلوم للجميع، والا فالسؤال هنا هو، ترى ماذا تفعل القواعد العسكرية التركية في الصومال والسودان وهما دولتان بعيدتان عن تركيا وليست لهما حدود مشتركة معها ولا وجود لحزب العمال الكردستاني فيهما حتى تتهدد مصالح تركيا هناك؟!.

لقد كان التدخل التركي في سوريا بمثابة بالون إختبار لرد فعل الدول حيال الإحتلال التركي لأراضي الغير، فلما نجح اردوغان في الاختبار وفرض تدخله كأمر واقع في بلد هش مثل سوريا، إستطاع تاليا أن يمد مخالبه الى بلدان أخرى مثل ليبيا الحالية، وتلتها التهديدات العنترية الموجهة الى اليونان، ثم إبتزاز أوروبا بمسألة تدفق اللاجئين اليها عبر تركيا، وآخرها التدخل الحالي في كردستان العراق تحت المبرر ذاته حماية أمنها القومي وملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني، وللأسف هناك قوى محلية كردية تتناغم مع أحلام أردوغان وتساعده على تحقيق أهدافه بالسيطرة على إقليم كردستان لوجود مصالح مشتركة بينهما!!.

من خلال قراءة متأنية لهذه الأحداث، نستكشف بأن تركيا سوف لن تكتفي بقواعدها العسكرية الموجودة حاليا بكردستان العراق والبالغة حسب بعض المصادر 18 قاعدة متوزعة في مناطق سيطرة حزب السيد مسعود البارزاني، بل أن مسؤوليها أكدوا مؤخرا بأنهم يزمعون إقامة عشرات القواعد الأخرى في المنطقة تحت ذريعة مطاردة مقاتلي العمال الكردستاني.

ان التصعيد الأخير للموقف من خلال سلسلة الهجمات الجوية على مناطق كردستان العراق وإستقدام الكوماندوس والجحوش المرتزقة الى قرى المنطقة تؤكد بما لايدع مجالا للشك أن أردوغان ماض في خططه التوسعية وأن الهدف الأساسي من كل ذلك هو إستعادة ولاية الموصل العراقية الى أحضان تركيا، والهدف الأكبر هو إخضاع دول المنطقة برمتها تحت نفوذ الباب العالي الجديد في تركيا.

كانت تصريحات وزير الخارجية التركي الأخيرة والتي إتهم فيها سلطات الاتحاد الوطني الكردستاني ( حزب الرئيس الراحل جلال طالباني ) بالوقوع تحت تأثير قيادة حزب العمال الكردستاني، تحمل عدة دلالات لعل أهمها أن تركيا تخطط لسياسة إضعاف نفوذ الاتحاد الوطني في كردستان وبالتالي إبتلاعها، فأردوغان يحلم بإحياء الإمبراطورية التي أنشأها أسلافه بالغزو، وحتى تركيا التي يحكمها أردوغان غزاها أجداده القادمين من خارج الأناضول كما تقول كتب التاريخ، لذلك من الطبيعي أن يداعب هذا الحلم دائما مخيلة خلف ذلك السلف.

اذن، نوايا أردوغان الحالم بالبقاء في السلطة الى آخر العمر ليست سليمة تماما، لذلك لا نستبعد أن تتقدم جيوشه نحو أراضي كردستان العراق في قادم الأيام لإحتلالها طالما أن دول العالم العظمى والدول العربية خصوصا لاتتحرك لوضع حد لتلك الأحلام التوسعية، وتكتفي فقط بإصدار بيانات الشجب والإدانة. فهو دائما يضرب في المناطق الضعيفة كسوريا المدمرة بالحرب الأهلية و ليبيا المتناحرة شرقها وغربها، والصومال الفقيرة، والسودان الضعيفة، واليونان الهزيلة، وأخيرا كردستان العراق الكيان الهش الآيل للسقوط بسبب أزماته الإقتصادية والمعيشية.

روى لي المرحوم الاستاذ عادل مراد أحد قادة الاتحاد الوطني أنه في بداية الثمانينات وأتصور كان في عام 1982-1983 قرر الرئيس الليبي معمر القذافي أن يمد يد المساعدة للثورة الكردية الناشبة ضد نظام صدام حسين في كردستان العراق آنذاك. وكانت المساعدات تتركز في إرسال شحنة من الأسلحة مع مساعدات مالية الى الأحزاب الكردية الناشطة على جبهات القتال ضد النظام الصدامي، فلما أبلغه الوفد الكردي بصعوبة وصول تلك المساعدات بسبب تركيا، قال لهم الرئيس القذافي " لا تخافوا، فرقبة تركيا بيدي وسأخنقها إقتصاديا "!

فهل سنحتاج الى معمر آخر لكي يضع حدا للنوايا التوسعية لرجب طيب أردوغان، أم ننتظر فقط الجامعة العربية ودولها المتخاذلة لإصدار بيانات استنكار لاتسمن ولا تغني من جوع!