قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بعض الناس كصندوق مغلق، تعاشرهم العمر كله فيبقون عصيّين على الفهم، بعضهم تقابله مرات معدودة فتشعرأنك تعرفة منذ سنين. رجل الأعمال اللبناني الراحل علي غندور كان من القلة، الذين فطروا على الصراحة والوضوح، ولا غرابة أن يترك في نفوس الذين عرفوه أثراً طيباً جميلاً كجمال نفسه. كان علي غندور الذي ولد في بيروت في العام 1931 ورحل عنا في 29 آب الماضي، من رجال الأعمال المخلصين لعملهم، والناشطين السياسيين الوفيين لبلادهم. في أربعينات القرن الماضي انتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان العمل السياسي يومها فداء حقيقياً، ونضالاَ ذا معنى، وتضحية ونكران ذات، ولم تكن السياسة فساداً وغباء وأنانية وضحالة كما هي اليوم! لكن القدرعاند أحلامه، ولم يتح له البقاء في لبنان، فبعد سنتين من انخراطه في الحزب، أي في العام 1949، أعدمت السلطة اللبنانية زعيم الحزب أنطون سعادة، فأحدث المصاب الجلل في نفس الصبي البالغ من المعر 18 سنة، أثراً فادحاً، وحمله على الرحيل، بعد أن شعر بأن الحياة في بلده لم تعد تُطاق.

كثيرة هي الخصال التي اجتمعت في شخصية على غندور. كان سياسيا ورجل أعمال وكاتباً وناشطا اجتماعياً ومهندسا، وكان إلى جانب ذلك كله رجل خير وإحسان. حياته حفلت بإنجازات كثيرة. أمضى فصلاً في قسم الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم أتم دراساته العليا في هندسة الطيران في جامعة نيويورك. اختار هندسة الطيران لعدم وجود هذا الاختصاص في الجامعات اللبنانية، وليقنع ولده بترك لبنان بعد اعدام سعادة، وكان أو مهندس طيران عربي يحصل على ترخيص من هيئة الطيران الفيدرالية لإصلاح الطائرات FAA”".

نال أوسمة لبنانية منها وسام الاستحقاق الوطني، ووسام جوقة الشرف برتبة قائد، ومن الأردن حاز وسام النهضة من الدرجة الأولى الذي منحه إياه العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال، كما حاز وساماً من حكومة النمسا. أما النجوم المتعددة في سجله فكانت في حقل الطيران، فعمل مستشاراً للملك حسين في شؤون الطيران المدني والسياحة والنقل الجوي، وكان أحد مستشاريه والمرافقين له في رحلات عديدة. أسس في الأردن شركات مختلفة منها أكاديمية للطيران، ومركزاً للتدريب الفني، وفي العام 1963 طلب إليه العاهل الأردني، تأسيس شركة طيران، فأسس الخطوط الجوية الأردنية "عالية"، وبقي يرأس مجلس إدارتها حتى العام 1989.

يكفي التقدير لدوره، ما جاء في رسالة مفتوحة وجهها إليه الملك حسين عبرالصحف ونشرت في 1989، السنة التي عرض فيها تقديم استقالته من شركة الطيران الملكية الأردنية. كانت الرسالة مطوّلة، ملؤها التقدير والثناء على جهوده، ومما جاء فيها من كلام الملك: "يقيني أنك من هؤلاء الذين سينصفهم تاريخ الطيران المدني، وسيظل اسمك مقترناً بالطيران في الأردن والعالم العربي كواحد من أقدر وأخلص رواده. وإني إذ أتفهم رغبتك في الاستقالة، ليسرني أن استجيب لها، وقد كنت الرفيق الأمين لنا على مدى سبعة وعشرين عاماً هي عمر "الملكية الأردنية" التي محضتها جهدك وأعصابك وفكرك، حتى غدت على ما هي عليه اليوم، عنوان فخار وطني وتجسيداً حيا للعزم والاخلاص والتصميم".

خبرته في حقل الطيران، مكّنته من أن يصعد سلم هذا الحقل بجدارة. بعد عودته طالباً من نيويورك إلى لبنان عمل في هيئة الطيران المدني فرع الهندسة مدة سنة، ثم عزّ عليه أن يلتحق بوظائف تحكمها تراتبية الطوائف، فآثر العمل الحر، وسهّل له صديقه داني شمعون، الدخول على باب أبيه رئيس الجمهورية كميل شمعون، فأشار عليه الرئيس اللبناني أن يتعاون مع مجموعة أصدقاء له من عائلة عريضة، كانوا ينوون تأسيس شركة طيران، وتعوزهم الخبرة في هندسة الطيران، فتم تأسيس الشركة في العام 1957، وكان اسمها "شركة الخطوط الجوية اللبنانية الدولية "LIA" برئاسة كارلوس عريضة، وشغل الشاب الطموح فيها منصب نائب الرئيس لشؤون الهندسة، وبقي فيه إلى 1961، السنة التي قام فيها القوميون السوريون بمحاولة إنقلاب ضد نظام الحكم في لبنان. فشل الانقلاب، وبدأت السلطات اللبنانية تلاحق القوميين في كل مكان، وسجنت المئات، وأصدرت مذكرات اعتقال بحق الكثيرين منهم، ومن بينهم علي غندور، الذي كان عضواً في المكتب السياسي للحزب، واسمه على قائمة المحكومين بالإعدام. كان يومها في باريس واعتبر المحاولة الانقلابية الفاشلة، أكبر خطأ ارتكبه القوميون في تاريخهم.

بعد باريس سافر إلى ساحل العاج، ثم إلى الكويت للعمل في هيئة الطيران المدني، ومن ثم إلى الأردن، حيث التقى رفاقاً له من القوميين الاجتماعيين، الذين كانوا قد لاذوا بالفرار من بطش السلطة اللبنانية. في عمان، أتاحت له الظروف أن يلتقي الملك الراحل حسين، بوساطة من أصدقاء العاهل الأردني، الرئيس الراحل كميل شمعون وابنه داني شمعون. استقبله العاهل الأردني بحفاوة، وحين عرف بخبراته في الطيران، طلب إليه تاسيس شركة طيران أردنية، وهكذا بدأت "عالية"، وبدأ مشوار علي غندور الكبير بدءاً من الأردن، ومنه إلى العالم الواسع.

قد يكون من المفيد أن اتوقف في الحديث عن إنجازات الرجل، والمناصب التي تبوأها وهي كثيرة، وأحكي عن علي غندور الإنسان الذي عرفته في جلسات كان بعضها قصيراً وبعضها طويلاً. المرة الأولى كانت في العام الماضي، حين اتصل بي رجل الأعمال الصيداوي المعروف مروان كالو، وأخبرني أن علي غندور قرأ بعض مقالات نشرتُها في الصحف، ويوّد أن يتعرف إليّ ويتحدث معي في شأنها. كنت يومها في لبنان، وذهبت إليه في مكتبه بمنطقة الروشة في الطرف الغربي من بيروت، وإذا أنا أمام رجل عجنته الحياة وصقلته التجارب. كان كلامه لغة انفتاح وتسامح، ونظرة عقلانية للأمور، وثقافة علمانية بعيدة كل البعد عن التحزب اللبناني الضيق.

أعجبت به من الفور، وزاد اعجابي حين علمت أنه من مؤسسي "المركز المدني للمبادرة الوطنية"، وهو مركز دعا إلى حذف صفة المذهب المقيتة من بطاقة الهوية، وإيجاد وطن مدني علماني حر متحرر من أوضار الطائفية والعصبيات القبلية.

بعد تلك الجلسة التقيت علي غندور اربع او خمس مرات على ما أذكر. كانت الأخيرة في شهر كانون الثاني الماضي في فندق "فور سيزونز" في بيروت، رفقة مروان كالو، وسميه الخبير الاقتصادي مروان اسكندر، عدت بعدها إلى مقر إقامتي في أوروبا. مرت أشهر على تلك الجلسة، أصبح العالم كله فيها سجيناً بسبب وباء كورونا، وإذا بي أتلقى قبل شهرين تقريباً مخابرة من علي غندور، يسألني فيها عن حالي في الحجر الذي فرضته الفيروسة المخيفة. تحدثنا كيف غيرت كورونا العالم، وبدّلت مفاهيم الناس عن الحياة ومعناها، وكيف ساوت بين البشر، وجعلت حال رجل مثله، كحال سائق سيارته، والعاملة التي عنده في البيت.

كان حديثه هادئاً متزناً كالعادة، وكان فيه شيء من حكمة المتصوفين.
كان علي غندور صاحب مبدأ، وكان رحيله عن الدنيا مثل رحيل اصحاب المبادىء الممتازين، بغض النظرعن رأي كل منا في معتقدات الناس ومبادئهم وأديانهم. رحل الرجل، وبلاده التي أرادها عزيزة، تمر في مرحلة هي الأسوأ في تاريخها، وهذا أصعب ما يمكن أن تتحمله قلوب مواطنين فطروا على الحب الشديد لأوطانهم، وكان علي غندور من هذه الفئة من الناس. أعرف أن رحيل الرجل أبكى الكثيرين وآلم الكثيرين، ومنهم صديقه المقرب مروان كالو، وقريبه حمد غندور، المقيم في بروكسل والناشط في حقل السفر.

كثيرون في لبنان وفي العالم سيفتقدونه كثيراً، ويذكرونه بالخير دوماً، ولا يسعنا في غيابه إلا أن نقول عنه اليوم، ما يقوله المؤمنون عادة، كلما ألّمت بهم خسارة عزيز على قلوبهم: الرحمة كل الرحمة على روح علي غندور، والعزاء كل العزاء إلى عائلته وإلى ذويه، وإلى كل من عمل معه، وعرفه أخاً وصديقاً ورفيق نضال.