قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الاقتصاد والسياسة توأمان لا ينفصلان، ويؤثر كل منهما نحو الآخر.

ففي أوضاع تكون السياسة التي تعتمدها دولة ما في ارتباطها مع الدول الأخرى داعمة لتسيير اقتصادها، بمدلول أن تخدم السياسة الاقتصاد كما حدث مع الصين واليابان بعد حروب عسكرية وتجارية استدامت طويلاً بين الإمبراطوريتين استخلفت وراءها كم هائل من الآثار المادية والقضايا التاريخية. وبالرغم أن التوتر الياباني الصيني قد دام لعقود، إلا أن ذلك النِزاع انتهى بتغليب المصلحة الاقتصادية بفضل تحول سياسة كل من البلدين تجاه الآخر بما يخدم المصلحة العامة، حتى وصل حجم التبادل التجاري بينهما في عام 2017 لما يقارب 300 مليار دولار. وهنا يتضح في صورة جلية كيف تخدم السياسة الاقتصاد. وقد يحدث العكس من ذلك تماماً، كأن يخدم الاقتصاد السياسة كما تمارس إيران في اشتغالها على رؤيتها التوسعية، الأمر الذي يفسره تكريس جزء كبير من ناتجها الإجمالي لتأمين هذا الهدف. إلا أنه في نهاية المطاف وفي التحليل الأخير لا يعملان الاقتصاد والسياسة بمعزلٍ واستقلال أحدهما عن الآخر.

في هذا السياق، ومن منظور تاريخي اقتصادي، تعتبر سياسات تركيا الخارجية مصدر قلق يهدد أمنها الاقتصادي. فعلاقتها مع حليفها الروسي على سبيل المثال لم تخلو يوماً من تعارض المصالح. فقد فرضت روسيا في عام 2015 قيوداً اقتصادية على تركيا قٌدرت خسارتها بحوالي 20 مليار دولار، أي ما يعادل 3% من حجم الناتج المحلي لتركيا. كذلك تسببت السياسات الخارجية التركية مع بعض حلفائها في "الناتو" كالولايات المتحدة بفرض الأخيرة قيوداً أدت لخسائر اقتصادية قياسية لم تمر بها تركيا من قبل. كما أن السياسات التي يسلكها الرئيس أردوغان في تدابير تحكمه التام بكل ما يجري في تركيا بما فيها الأنشطة التجارية، أفضت إلى غياب الأموال الأجنبية كمصدر استثمار في السوق التركي. ولا تقف سياسات أردوغان الخاطئة عند أي حد يتسبب في تدهور اقتصاد بلاده، فقد قاد عملته التركية لخسائر كبيرة تتجاوز قيمتها عشرات المليار من الدولارات في محاولة لاستعادة تدني قيمتها المصرفية.

وكانت آخر الصيحات التي يتبعها أردوغان في قيادة اقتصاد بلاده نحو التدهور، تدخلاته في الشأن الخليجي. أضافت تلك التدخلات مزيداً من توتر العلاقات التركية بدول الخليج "باستثناء قطر". وفي غضون هذه التوترات، أطلق المستهلك السعودي حملته لمقاطعة المنتجات التركية كرد فِعل يعبر عن عدم رضاه تجاه ما تقوم به تركيا من تدخلات سياسية في الشأن الخليجي.
هذه الحملة "غير الرسمية" لمقاطعة المنتجات التركية والنابعة من الإرادة الخالصة للمستهلك السعودي، ستشكل إضافة لخسائر جديدة لاقتصاد البلدين بلا شك. فعلى الرغم من تراجع معدلات التبادل التجاري بين المملكة وتركيا خلال الأعوام الماضية، إلا أن كلاً من البلدين يعتمد بنسبة (1 إلى 2) في المئة من إجمالي قيمة وارداته وصادراته من وإلى البلد الآخر. فالسوق التركي يتداول منتجات سعودية لها قبول كاللدائن والمعادن والمنتجات الكيماوية والألمنيوم والحديد. كذلك فالسوق السعودي يحظى بمنتجات تركية كالسجاد والأثاث والأجهزة والملابس وغيرها.

لكن بكل أسف، سوف ينجم عن رداءة التدابير السياسية التي تتخذها تركيا بقيادة أردوغان فقدان مثل هذه الفرص الاقتصادية. وعلى الرغم من وجود بدائل تجارية متوافرة وميسرة للمستهلك السعودي على مقياس الفرد وللدولة على صعيد الميزان التجاري العام، إلا أن الشأن لا يدور حول العثور على البدائل المناسبة بقدر ما يدور حول ضياع الفرص الاقتصادية التي تتسبب بها حماقة السلوك السياسي.

*كاتب سعودي