تتعدد مظاهر سيادة الدول وهيبتها وتتنوع تجليات قوة الحكومات وسطوتها سواء فيما يتعلق بقدرتها على تطبيق قوانينها داخل اراضيها وبين شعبها، او في تعاملها مع الدول الاخرى المجاورة والاقليمية، بل وحتى في سياق تحركها في المجتمع الدولي ونظامه العالمي الذي يفرض شروطه ومقتضياته على الدول وفقا للمصالح والاستحقاقات.

وفي عالمنا الافتراضي الذي بزغ فجره في السنوات الاخيرة، تجد الدول، مثل الانسان ايضا، مضطرة لمواجهة هذا العالم والتعامل مع ادواته وتمظهراته التي امتدت اثارها لكل الابعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لدرجة لم يستطع معها اي مجال الوقوف والصمود امام غزو هذه العوالم واحتلالها لأهم معالمه.

ان كيفية تعامل الدول مع الشركات الكبرى التي تدير مواقع التواصل الاجتماعي يعد من اكبر التحديات التي تواجهها هذه الدول في العصر الرقمي، واهم ملف ينبغي لرجال الدولة الحقيقيين ان يهتموا به ويركزوا عليه وينتبهوا لخطورته التي تمس بصورة مباشرة استقرار دولهم و امن شعوبهم و قوانين سلطتهم الرمزية والفعلية .

في الاربعاء المصادف الثاني من شهر حزيران الحالي تفاجئ العالم بقيام تويتر بحذف تغريدة لرئيس نيجيريا محمد بخاري وتعليق حسابه 12 ساعة، الامر الذي تسبب بغضب سياسي كبير في هذا البلد الافريقي المهم لان التغريدة تضمنت مجرد تعبير عن رأي الرئيس الذي هو حق طبيعي له تجاه منظمة محظورة كما اوضح ذلك، ممتعضا من تويتر، وزير الاعلام النيجيري لاي محمد .

موقع تويتر اوضح ان الحذف يعود لمخالفة التغريدة لسياسات الموقع، حيث اعتبرها سلوك سيء، لان فيها تهديد واضح لمن كان الرئيس بخاري يخاطبهم، متمثلا بالمقطع القائل " أولئك الذين مروا بالحرب، سيُعاملون باللغة التي يفهمونها "، وهم المنظمة التي يحملها الرئيس جزء من تنفيذ عمليات عسكرية ضد مباني حكومية.

ولم يمض يومان من قيام تويتر بحذف التغريدة حتى اعلنت نيجيريا ،الجمعة، تعليق منصة تويتر “ الى اجل غير مسمى “ بسبب انشطتها المستمرة التي تخالف عمل وجود الشركات في نيجيريا، وهو القرار الذي تعرض للانتقاد والرفض من غالبية المنظمات الحقوقية والبعثات العاملة والسفارات باستثناء الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب الذي قدم التهنئة لنيجيريا بهذا المنع، ودعا بقية الدول لحظر فيسبوك وتويتر لعدم سماحها بالتعبير الحر، واعترف، في وقت لاينفع الاعتراف والندم، بانه ربما كان عليه ان يقوم بذلك حينما كان في منصبه !

وبغض النظر عن مضمون التغريدة وتفسيراتها … وبعيدا عن تفاصيل قرار تويتر وحيثيات خطوة نيجيريا وتداعياتها … فان الحدث بمجمله قد فتح نقاشا جديدا وقديما " في نفس الوقت"، حول كيفية تنظيم شكل العلاقة بين معايير وشروط النشر في هذه المنصات وقوانين الدول وانظمتها، وهو الموضوع الذي يتسبب على الدوام بمشكلات بل ازمات كبيرة بين الدول وهذه المنصات.

ان الشيء المؤكد في بعض قرارات تويتر ، وغيرها من المنصات، هي انها قد تتناقض مع قوانين الدول وتخدش سيادتها ويتأثر بها أمن المجتمع واستقراره، فضلا عن صورة الحكومات امام شعبها والمجتمع الدولي التي قد تتهشم في قرار معين تتخذه المنصة
متسقاً مع قوانينها !

من اللافت للنظر ان مشكلة تويتر حاليا مع نيجيريا تزامنت مع توجيه الهند تحذيرا اخيرا لها من اجل الامتثال لقواعد تكنولوجيا المعلومات الجديدة والا ستواجه العقاب الذي لم تحدد الهند ماهيته الا انه وبكل تأكيد سيؤدي لإحداث ضرر في الشركة خصوصا مع دولة كبرى مثل الهند لديها سوق يزخر بملايين من المستخدمين الذين تتودد لها جميع الشركات التكنولوجية والمنصات الرقمية.

واذا كانت شركة تويتر تواجه موقفا صعبا فيما يتعلق بنيجيريا والهند، فان الدول والحكام لديهم هاجس امسى يتنامى في كل يوم من هذه المنصة التي يحاول الكثير منهم تكسير اجنحتها ووضع حد لتصرفاتها التي اصبحت تقيّد حرية الكلام والتعبير، كما يقول منتقديها، بينها هي، كما هو المفترض، حاملة لواء الدفاع عن الحرية بكل اشكالها.

ولكن يبدو، وهنا اصل المعضلة، ان الحرية التي تطالب بها حكومة نيجيريا تختلف عن الحرية التي تدعو لها تويتر، فنيجيريا تعتبر ان ماكتبه رئيسها بخاري على حسابه في تويتر مجرد رأي فيه استياء من وضع ما، بينما تراه تويتر تهديد بالعنف واستخدام سيء للمنصة! ولذا فنحن امام دلالات مختلفة لنفس الكلمة " اي الحرية " التي قد امست حبلى بمعاني مختلفة ومتعددة غير متفق عليها بين الجانبين ( تويتر ونيجيريا).

وامام هذه المعضلة الدلالية يظهر الارباك وتنشأ وتُخلق الاختلافات في وجهات النظر وبالتالي يتم اتخاذ مواقف لايقبل ولايتفق عليها الطرفان ما يتسبب بأزمات قد تصل الى اغلاق المنصة كما حدث مع مشكلة نيجيريا وتويتر الذي اعتبر البعض قرارها ضربة لسيادة نيجيريا.

بلا شك ان اغلب الذين يؤيدون منصة تويتر فيما تتخذه من قرارات متعلقة بالشخصيات السياسية المسؤولة، بعيدا عن قضية معايير النشر ومبادئ الدفاع عن الحريات، يستندون الى ان هذه المنصة قد قامت بإغلاق حساب الرئيس ترامب في 7 من شهر كانون الثاني عام 2021 بعد سلسلة تغريدات اعتبرتها المنصة تحريضية وادت لاقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي في فوضى لم يشهد مثيلها تاريخ اميركا الحديث، وبذلك فكل حساب اخر يتم إغلاقه لاقيمة له امام ماحدث مع حساب ترامب الذي كان الاكثر عددا والاعلى تفاعلا والاهم اخباريا والاقوى سياسيا من كل الحسابات التي كانت في عهده… وهذا يفرض على الجميع حقيقة واضحة وهي ان شركة تويتر قادرة وتمتلك صلاحية كاملة لإغلاق اي حساب مهما كانت له قيمة سياسية او اخبارية معينة او حتى يعود لأعلى رمز في دولة ذات سيادة .

فاذا كانت السيادة بالمفهوم الكلاسيكي الدارج في السياسة والذي يحدده فقهاء القانون الدستوري هو سلطة الدولة العليا التي يجب ان يخضع لها جميع المواطنين في البلد، فان دلالة المفهوم نفسه، في العصر الرقمي، ستتخذ شكلا اخرا بل تتسع لتشمل مساحات اكبر وفضاءات اوسع تتضمن فيها مخرجات العالم الافتراضي التي ستدخل في خرائطه وتخضع لمصطلحاته،وبالتالي،يتشكل ما يمكن ان اطلق عليه السيادة الرقمية !

فالسيادة الرقمية هي سلطة الدولة " الرمزية والقانونية والواقعية " التي تمارسها على شركات التكنولوجيا ومواقع التواصل فيما يتعلق بمستخدمي هذه الشركات الذين هم في نفس الوقت مواطنين لدى هذه الدولة، ولايجب ان تترك الدولة مواطنيها وكل مايتعلق بحقوقهم الرقمية لأمزجة المنصات الرقمية خصوصا وان بيانات المواطن ومعلوماته وكل مايتعلق به هي حجر الزاوية في عمل هذه الشركات وهي اساس ربحهم ووجودهم الحقيقي الذي بسببه تبقى هذه الشركات قائمة لهذا اليوم.

واستنادا الى هذا التعريف فان من غير المعقول ولا المنطقي ان تسيطر هذه الشركات على الفضاء الافتراضي وحياة الانسان الرقمية من جهة وان تفرض معاييرها على الدول وتتناقض مع قوانينها الداخلية من جهة اخرى ...وهذا ما بدأت تشعر به الكثير من الدول في السنوات الأخيرة ، حيث قامت اوربا بتفعيل اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR التي تمنح المواطن الأوربي حقا قانونيا في حماية بياناته، كما طلبت تركيا من الشركات تعيين ممثل لها ، كما تطرقننا لذلك بالتفصيل في مقال سابق حول طريقة تعاملها مع مواقع التواصل وكيفية فرض ارادتها على المنصات واجبارهم على تعيين ممثل لها في تركيا ممكن ان تتفاهم معه حول عدة قضايا، كما طلبت هذا اليوم “ الجمعة “ هيئة البث الوطني النيجيرية من مواقع فيسبوك وتويتر وتيك توك وواتساب وغيرها اجازة من اجل ممارسة نشاطها والا ستعتبر عملها غير قانوني .

منع تغول هذه الشركات وحماية بيانات المواطنين واخضاع معايير هذه المنصات لقوانين البلد هي جزء من سيادة البلد الرقمية وهي مظهر من مظاهرها، بل ربما يمكن اعتبارها جزء من مفاهيم الامن القومي الجديد لذلك نجد ان المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية قاو فنغ حينما رحب بخطوة الرئيس جو بايدن برفع الحظر عن تطبيقي تيك توك ووي شات، طلب من واشنطن التوقف عن تعميم مفهوم الامن القومي ! واساءة أستخدام سلطة الدولة لحظر شركات التكنولوجيا الصينية، في اشارة واضحة لمفهوم وتجليات الامن القومي الذي هو جزء من السيادة الرقمية، وهو مظهر من مظاهر مانراه من خطوات تتخذها بعض البلدان في تعاملها مع شركات تقنية كبرى ترى فيها احتمال ان تشكل تهديد لأمنها القومي سواء وافقنا او اختلفنا مع اجراء الولايات المتحدة الامريكية ضد الصين .

الشركات التي تقف وراء مواقع التواصل تدرك، وان لم تصرح بذلك، ان هنالك خصوصية لبعض الدول والمسؤولين فيها فلا تعاملهم بنفس المبدأ الذي تعامل به بقية المستخدمين اعتمادا على هذا الاستثناء والقيمة الخبرية في منشوراتهم التي ترى انه من الواجب ان يعرفها المستخدم ويطلع عليها وهو الامر الذي كان يسير على منهج فيسبوك لكنه اعلن عن الغاءه في الأيام الماضية بسبب تجربتها السيئة مع الرئيس ترامب والنقد التي وجه لها بسبب تعاملها البارد معه ومع منشوراته التحريضية.

المفارقة انه في اليوم الذي منعت فيه نيجيريا، قامت فيسبوك بحذف نفس المنشور على منصتها لانه " يحرض على العنف " ولكن نيجيريا لم تتخذ لحد الان اي موقف من الشركة !

وفي نهاية المقالة ... نحاول ان نترك القارئ يسرح في التفكير مع الاسئلة الخمسة التالية :

اولا: وفقا لأي مبدأ او قانون تمتلك مواقع التواصل الحق في فرض معاييرها في النشر على الدول ؟

ثانيا: كيف تستطيع هذه المنصات فرض قرارتها على الدول، وهي طرف خارجي، من دون موافقة هذه الدول ؟

ثالثا:كيف يمكن التمييز بدقة بين المنشور الذي يتضمن قيمة اخبارية، وبين المنشور التحريضي ضد جماعة معينة، او التبجيلي لشخص يعتبر ارهابي ؟

رابعا :كيف يمكن ان نتفق على معنى محدد لكلمة التحريض التي تم كتابتها باللغة الانكليزية وفي سياق حضاري معين ؟

واخيرا: هل فعلا معايير هذه المنصات ثابتة ولاتخضع لمزاجيات وتفسيرات وفهم مسؤولي هذه المنصات؟

باحث دكتوراه فلسفة