قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لم تحتل ليبيا أخيرًا مكانة بارزة على جدول أعمال الحكومة البريطانية، وهذا مفهوم تمامًا نظرًا إلى الأولوية التي أعطتها الحكومة للتعامل مع قضايا أكثر إلحاحًا، متصلة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومحاربة جائحة كوفيد-19. إلا أن زيارتين رفيعتي المستوى إلى ليبيا قام بهما كل من وزير الدفاع بن والاس، ووزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جيمس كليفرلي، تبعثان الأمل في تعزيز الدور البريطاني في هذه المنطقة من العالم، حيث ينبغي أن يكون لبريطانيا تأثير كبير. ولأن ليبيا هي الدولة المغاربية الوحيدة غير الناطقة بالفرنسية، فإنها المكان الأمثل لدور بريطاني بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في رسم معالم ليبيا المستقبلية. والأهم من ذلك، مصلحة بريطانيا تقتضي مد يد العون لليبيين لمساعدتهم في تشكيل مستقبلهم.

تتراوح الفرص أمام بريطانيا في ليبيا بين المساعدة في تلبية احتياجات البلاد من الطاقة من خلال تعزيز الواردات النفطية التي تأتي نسبة 10 إلى 15 في المئة منها بالفعل من شمال أفريقيا، وبين وقف تدفق اللاجئين إلى الشواطئ الأوروبية، وإبقاء روسيا بعيدًا عن البحر الأبيض المتوسط ومنعها من نصب صواريخ مضادة للطائرات والسفن على الساحل الشمالي لليبيا في خطوة من شأنها أن تعرقل قدرة حلف الناتو على الدفاع عن أوروبا، وإغلاق طريق الاتجار بالبشر الذي كان مصدر معاناة لا توصف للآلاف من الناس، بما في ذلك مئات الليبيين في كل عام. وبعيدًا عن لغة المصالح، تتحمل بريطانيا أيضًا مسؤولية أخلاقية تجاه ليبيا، بعدما أدت دورًا رئيسيًا في خلق هذا الفراغ الساسي الخطير الذي يستنزفها اليوم.

وكما سيتذكر كثيرون، لعبت المملكة المتحدة وحلفاؤها الفرنسيون دورًا أساسيًا في قيادة التدخل الإنساني في عام 2011، ما أدى بلا شك إلى وقف النزيف البشري الهائل لما كان يُعتبر أطول النزاعات أمدًا في شمال أفريقيا في هذه الألفية. وما أثار الذعر الشديد هو أن القيادة نفسها كانت مفقودة في عام 2015، عندما ذكرت في رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء كاميرون: "لا يمكننا ببساطة أن نقف مكتوفي الأيدي ونترك هذه المأساة الإنسانية تتصاعد يومًا بعد يوم من دون انتقام من داعش والجماعات الإرهابية الأخرى".

تم اتخاذ القرار بعدم الاستجابة لهذه الدعوة، على الرغم من استطلاع يوغوف لعام 2015 الذي بيّن أن 59 في المئة من البريطانيين كانوا سيؤيدون المشاركة في تنفيذ غارات جوية على أهداف لداعش في ليبيا، أي أكثر من ضعف نسبة 25 في المئة التي كانت ستعارض هذا الإجراء. والأسوأ من ذلك، بعد تنفيذ الضربات الجوية، قعدت بريطانيا عن متابعة الحرب: تم تخصيص 13 ضعفًا من ميزانيتنا لتنفيذ الضربات الجوية مقارنة بالتطور اللاحق في ليبيا. على الرغم من هذه الفرصة الضائعة والتزوير الأخلاقي، لم نفقد كل شيء بعد.

ما زالت المملكة المتحدة قادرة على مساعدة ليبيا في تأمين مستقبلها الديمقراطي. مع ذلك، يجب أن تكون الحكومة الليبية على يقين بأن أي دور تحاول بريطانيا أن تلعبه في البلد الذي مزقته الحرب يتمتع بالقدرة على تحسين الوضع على الأرض لا العكس. ليس سرًا أنني كنت من المؤيدين منذ فترة طويلة لاستعادة دستور ليبيا لعام 1951 وإحياء النظام الملكي الدستوري على النمط البريطاني. وما زلت مقتنعًا بأن دستور 1951 والنظام الملكي يمكن وينبغي أن يلعبا دورًا في بناء ليبيا المستقبل الذي تستحقه. من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في ليبيا في 24 ديسمبر، والتي، بحسب كليفرلي، يمكن أن توفر لليبيين "فرصة حقيقية لكتابة الفصل التالي في تاريخ بلادهم".

مع ذلك، تعصف الانقسامات بالمجتمع الليبي، مثل العديد من البلدان الأخرى الخارجة من حرب أهلية. على الرغم من الادعاءات عكس ذلك، والتي تم تناولها في مقالتي "رجل الدولة الجديد" في عام 2015، فإن القبلية ليست سوى واحدة من انقسامات أخرى بين المدن والمناطق والأيديولوجيات والجماعات العرقية في ليبيا. اليوم، أصبحت هذه الانقسامات أشد وضوحًا، وأقدر على تمزيق ليبيا، ليس واقعيًا فحسب، لكن كفكرة أيضًا.

لإصلاح هذه الانقسامات، تحتاج ليبيا إلى دستور شرعي ودائم ومقبول على نطاق واسع. ونظرًا إلى أن مهمة صوغ الدستور محفوفة بالمخاطر، قرر المجتمع الدولي التخلص ممن يضع العراقيل في الطريق، والمسارعة إلى إجراء انتخابات. يعني عدم وجود أي وثيقة تأسيسية أن الانتخابات ليس لها شرعية سياسية أو فكرية في نظر الليبيين؛ أحد الأسباب - من بين أسباب أخرى – يكمن في أن العديد من الخبراء الليبيين يشكون في أن الانتخابات ستجرى على الإطلاق. ما لا شك فيه أن نسبة إقبال الناخبين ستكون منخفضة بشكل غير مسبوق وستفشل في جذب مجموعة المصالح المتنوعة عرقيًا وسياسيًا وجغرافيًا في ليبيا. ومن دون رؤية وطنية تاريخية، مثل تلك الخاصة بدستور عام 1951 الذي يرشدنا، ستستمر الجهات الأجنبية الفاعلة في السعي وراء مصالحها الخاصة على حساب الليبيين، ما يُغرق البلاد في مزيد من الفوضى في أعقاب الفتنة التي ستظهر بالتأكيد مع تقدمنا أكثر من ديسمبر.

مع ذلك، حتى لو نجحت الانتخابات الليبية، لن تجد الأسئلة الدستورية في قلب الصراع الليبي الإجابات المطلوبة. فبدلًا من البدء من الصفر إذًا، ما تحتاجه ليبيا هو نقطة انطلاق متأصلة في التاريخ والشرعية، وهذا بالضبط ما يقدمه دستور عام 1951.

إن العمل مع بناء تم تشييده على تاريخ ليبيا نفسه، والذي أثبت في الماضي القريب قدرته على توليد إجماع وطني، يتمتع بإمكانات أكبر كثيرًا لتسهيل ظهور المؤسسات الوطنية التي تشتد الحاجة إليها أكثر من أي نظام مركب جديد. من بين الأفكار الجيدة العديدة التي تضمنها دستور عام 1951 وجود قوة شرطة وجيش غير مسيسين، قادرين على الحفاظ على نزاهة القرارات السياسية التي تمثل إرادة الشعب. وفي حين سيتطلب الدستور بلا شك تحديثًا لمراعاة التغيرات الاجتماعية والثقافية والديموغرافية التي حدثت في الخمسين عامًا الماضية، فإن ليبيا ستستفيد من فكرة نجحت في الماضي ومنحت البلاد قدرًا كبيرًا من الحرية السياسية إلى أن أسقطها انقلاب غير ديمقراطي قاده العقيد القذافي في عام 1969.

الأمثولة الرئيسية هي أنه من الضروري فهم الدور المعقد الذي تلعبه التجربة التاريخية في بناء مستقبل سياسي مستدام. كان الغرب يميل، كما ظهر بشكل مأساوي في العراق وأفغانستان، نحو اللجوء إلى معادلة "مقاس واحد يناسب الجميع" في التعامل مع الديمقراطية. لكن، حان الوقت لنتعلم من دروس الماضي القريب، وأن نتوقف في الغرب عن محاولة تصدير حيواناتنا السياسية المحلية إلى الدول الأجنبية. بعد كل شيء، الديمقراطية في أبسط مستوياتها هي "حكومة من الشعب ولأجل الشعب". وفي حين أن المملكة المتحدة يجب أن تتبنى أي حل ديمقراطي يتم اختياره وتبنيه من قبل الشعب الليبي، يجب أن نفكر في وضع دستور عام 1951 على الطاولة، وهو وثيقة دستورية صاغتها الأمم المتحدة.

إذا كانت المملكة المتحدة تسعى بصدق إلى المساهمة في حلٍ فرصته كبيرة لتلبية احتياجات لا تعد ولا تحصى يواجهها المجتمع الليبي اليوم، وعلى رأسها الوحدة - فإن لخيار دستور 1951 سجل تاريخي وفرصة قوية ليكون مصدرًا حقيقيًا للسلطة وللثقة في المستقبل. أولئك الذين تابعوا الأحداث في ليبيا طوال العقد الماضي يعرفون أن حكومة الوحدة الحالية فيها عابرة. إنها ليست أول من يحاول تهدئة التوترات الداخلية في البلاد. للأسف، من غير المرجح أن تكون الأخيرة في المدى المتوسط. مع ذلك، لا سبب حقيقيًا للافتراض أن الأمور هذه المرة ستنتهي بشكل مختلف. هذا وحده، أن لم يكن شيئًا آخر، هو سبب دافع للنظر في فكرة جديدة، لكن تاريخية، سيقدمها دستور عام 1951.

حاججت مرات عدة في ضرورة النظر إلى الماضي كطريقة لتشكيل المستقبل. سأكررها هنا ايضًا: ربما لا يوجد أساس أشد صلابة وأكثر عقلانية من دستور عام 1951 للانتقال بليبيا إلى السلام. وبينما تعود إلى الليبيين مسألة اتخاذ قرار بشأن طبيعة الدستور الذي يريدون، يمكن المملكة المتحدة أن تؤدي دورًا مبدعًا وبناءً حقًا من خلال الدعوة إلى وضع هذا الحل على طاولة البحث. مع ذلك، إذا كانت المملكة المتحدة ستؤدي دورًا جادًا وشاملًا في تشكيل مستقبل ليبيا، عليها أن تنظر إلى الوراء قبل أن تتطلع إلى الأمام، فدروس الماضي جزءٌ لا يتجزأ من تشكيل رؤيتنا للمستقبل.

* دانيال كاويتشينسكي نائب محافظ عن دائرة شيروزبري وعضو في اللجنة البرلمانية للتنمية الدولية