مقدمة لابد منها :
يصف القانون الدولي الإبادة الجماعية بأنها جريمة خطيرة. وقد ورد تعريف لها حالياً في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول من عام 1948. ومن الجدير بالذكر ان العفو لايشمل من صدرت في حقهم مذكرات توقيف من قبل المحكمة الجنائية العراقية العليا، والذين يواجهون إتهامات بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني باعتبارها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي لا تسقطه الاتفاقات المحلية. وعليه ان قرار (العفو الصادرعن قيادة الجبهة الكوردستانية عن الصداميين الكورد) (1) لا يشمل المتورطين بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

إساءة صريحة للضحايا، وشهادة تزكية للجلاد، (بوعي او دون وعي):
كاكه مين نجار قيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني يقود حملة انتخابية خاصة بانتخابات مجلس النواب المقررة في شهر أكتوبر المقبل. وقال نجار يوم أمس في خطابه وامام حشود من اعضاء حزبه في مدينة اربيل: (ان الذين انفلوا الشعب الكوردي واستخدموا السلاح الكيمياوي ضده يعيشون الان في اربيل وهم نادمين على فعلتهم)!

هذه هى المرة الاولى التى يعترف قيادي كوردي امام الجماهير ويقول الحقيقة بشكل واضح وصريح، ولكن نسى او تناسى هذا القيادي بان البعثيين الذين يعيشون الان في اربيل هم متورطين بجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجريمة الإبادة الجماعية (حسب زعم نجار).

(الانفال ـ الإبادة الجماعية):
كباحث ومهتم بقضية (الانفال ـ الإبادة الجماعية) يهمني جداً تفاصيلها لاني احد الضحايا الاحياء لتلك الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق شعبنا لإبادته في عام الانفال ورايت بام عيني تفاصيلها الاجرامية التي فاقت الخيال.
تلك الايام التي نجونا من خطورتها وطولها بالتقتير وبكسرة خبز ورشفة ماء من العيون التي لم تصابها بعد صواريخ وقنابل وسموم (صدام وعلي الكيمياوي)، بعد ان قطعنا مئات الكيلومترات تاركين وراءنا عوائلنا واطفالنا وذكرياتنا واحبائنا الذين اجبرنا وارغمنا على تركهم بعد ان لم تبقَ بيدنا حيلة او امل في انقاذهم، اما القرى فكانت تفجر وتحرق وتدمر بالشفلات والمتفجرات ومن تاخر في الهروب نحو المجهول وقع لقمة سائغة بين فكي الغول البعثي وغضب روبوتات صدام حسين الذي امرهم بالإبادة الشاملة وبحرق الارض وسلب ونهب الغنائم. ومن نجى من فكي الغول ووقع اسيراً بيد هؤلاء المجرمين من النساء والشيوخ والشابات والأطفال والرضّع، نُقل قسراً وبواسطة سيارات الامن والاستخبارات البعثية في رحلة عذاب موثوقي اليدين ومعصوبي العينين حيث اقتيدوا إلى مصيرمجهول وإلى بداية عملية التصفية الجسدية حيث ابتلعت رمال الصحراء قسم منهم وهم احياء. اما القسم الاخر منهم فقد اعدموا ودفنوا في مقابرجماعية في الصحراء الجنوبية، بعد ان ذاقوا شتى انواع العذاب والاهانات والسب والتعذيب والضرب المبرح في مسالخ النظام البائد ومعتقلاته التي كانت اسوء وابشع بكثير من معسكرات ومعتقلات النازيين.

نعم بصدف شبيهة بالمعجزة نجونا من تلك الحملات الشرسة التي سميت بالانفال (الإبادة الجماعية ) وكتبت لنا الحياة مجدداً لنسرد قصصنا التي فاقت الخيال بكل امانة وواقعية وصدق رغم مرارتها وبشاعتها، التي بقيت محفورة في صفحات قلوبنا المليئة بالماسي والويلات و تبقى معلقة على جدار ذاكرتنا وتفكيرنا إلى الابد.

محاولة بائسة لتجميل وجه ازلام النظام البائد:
لكي لا ابتعد عن جوهر الموضوع الذي انا بصدده بالأكتفاء بسرد القصص الماساوية بلا نهاية التي رايتها بام عيني كشاهد على تلك الحملات التدميرية، سادخل مباشرة في صلب موضوعي هذا واختصره في النقاط التالية:

1 ـ ان خلط الاوراق والتضليل والاصطياد في الماء العكر والالتفاف والمماطلة، ومحاولة تجميل وجه ازلام النظام البائد (الذين يعيشون اليوم في اربيل ـ حسب اعتراف القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني كاكه مين نجار) وتبرير جرائمهم هو ليس اقل عن حجم جرائم ومجازر صدام نفسها ضد البشر والحجر. *

2 ـ ان تنفيذ الاحكام بحق المتهمين والمتورطين بجرائم الإبادة الجماعية هو التذكير باهمية الدروس القاسية التي تلقتها الشعوب العراقية من السياسة والنهج القمعي الذي قام به حزب البعث الفاشي منذ اغتصابه للسلطة إلى يوم سقوطه من جهة، ورد الاعتبار لكل الضحايا و الشهداء، اولئك الجنود المجهولين من ضحايا نهج البعث الدموي، كمسؤولية وطنية واخلاقية وسياسية وقضائية عادلة تقع على عاتق (بغداد واربيل) من جهة اخرى.

3 ـ ان اي مدان في قضية الانفال وحلبجة (الإبادة الجماعية)، او اي شخص تثبت ادانته في اي قضية جنائية اخرى ,يعتبر مجرماً ومداناً امام الشعب.

4 ـ ليس لاحد حق منح العفو والتستر عن المجرمين الذين تورطوا بجرائم الإبادة مهما تكن درجته ومكانته ومقامه السياسي والحكومي.

5 ـ ان اي تعويل من قبل ساسة اخر زمن على امكانية إجراء تغييرات، وان جزئية، في عقلية البعثيين (المقيمين في اربيل) والمتورطين بجرائم الإبادة الجماعية ونهجهم وتفكيرهم السادي والشوفيني، لن يكون الا وهما وسرابأ، ولن يحصد المروجون لهم والمراهنون عليهم سوى الخيبة والخذلان والندم.

6 ـ ان كلام كاكه مين نجار فيه إساءة كبيرة لضحايا الإبادة الجماعية وفيه إيحاء واضح وصريح لتبرءة النظام البعثي الفاشي من الانتهاكات الخطيرة لحريات الشعب العراقي بشكل عام والشعب الكوردستاني بشكل خاص، والذي يعرف القاصي والداني أنها لم تقتصر على الأفراد وحسب بل طالت مدن ومحافظات والاف القرى والاقضية بأكملها، (حلبجة المغدورة) نموذجاً.

7 ـ قول نجار «ان الذين انفلوا الشعب الكوردي واستخدموا السلاح الكيمياوي ضده يعيشون الان في اربيل وهم نادمين على فعلتهم» قول خطيرجداً يستدعي تحرك الجهات ذات العلاقة منها: الرأي العام المحلي والوسائل الإعلامية المستقلة والمنظمات المعنية بحقوق الانسان (المحلية والدولية) وعوائل الشهداء والمؤنفلين في مواجهة هذا التحدي الخطير الذي يهدد السلم الاجتماعي برمته ويزعزع الأمن والاستقرار.

اخيرا اقول: ان جرائم الانفال واستخدام السلاح الكيمياوي (الإبادة الجماعية) لا تسقط بالتقادم، فمهما طال الوقت ستظل القضية حية، ومهما تساهلت القيادات الكوردية او تسترت على المتورطين بحجج واهية، سوف نبذل كل الجهود لملاحقة هؤلاء القتلة اعداء الانسانية اينما كانوا ولن نهدأ الا بعد ان ياخذ القانون مجراه في محاسبة وتطبيق احكام معاقبة المدانين بهذه المسالخ الجماعية والجرائم الشنيعة التي راح ضحيتها الألاف من ابناء شعبنا ولن نتوقف عن نضالنا إلى ان يُعترف بها دوليا كجريمة ارتكبت لابادة الجنس البشري ليست اقل شانا ان لم تكن بمستوى الهولوكوست!

ان احقاق العدل والعدالة لاتعني العفو او عفا الله عما سلف او التستر على مرتكبي الإبادة الجماعية او التبرير لجرائمهم، فنحن امام قضية كبيرة اُقرت واعتبرت من اعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد شعبنا.

اسأل كاكه مين نجار عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني وكل من يدور في فلكه: كيف نقرأ هذه الازدواجية، من جهة اقرت حلبجة والانفال كجريمة إبادة بشرية ومن جهة تتسترون على مرتكبي الإبادة الجماعية من (كبار رموز البعث البائد) الذين يعيشون اليوم في اربيل (حسب زعمكم)؟

يجب ان يعرف (نجار) وحزبه واحزاب كوردية اخرى، ان نسيان جرائم البعث الفاشي ليس نعمة بل خيانة، وأن التَستر والدفاع عن البعثيين المتورطين بجرائم الإبادة هوجريمة وخيانة عظمى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* 1 ـ بعد ان اعلن مجلس الأمن والولايات المتحدة أن المنطقة شمال خط عرض 36 منطقة أمنية يحظر فيها الطيران على القوات العراقية، سحب النظام البعثي قواته من أجزاء واسعة من كوردستان وسحب كل المؤسسات المدنية العراقية وموظفيها من أربيل والسليمانية وزاخو ودهوك وبقية مدن كوردستان، وعليه تولّت (الجبهة الكوردستانية ـ جك) إدارة المنطقة وكانت تضم كل من (الحزب الشيوعي العراقي والاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الاشتراكي الكوردستاني والحزب الاشتراكي الكوردي وحزب الشعب الديمقراطي الكوردستاني). و إبان انتفاضة عام 1991 اصدرت قيادة الجبهة الكوردستانية قراراً باعفاء كبار الجحوش المتعاونين مع النظام العراقي السابق دون قيد وشرط، وليس فقط هذا بل تم تكريم قسم منهم و تعيينهم في مناصب حكومية وحزبية مهمة، والقسم الاخر ممن ابى ان يستلم المناصب زود بوثيقة عدم التعرض له ولعائلته من قبل قادة الاحزاب الكوردية .

*لمشاهدة وسماع حديث كاكه مين نجار عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني - الفيديو التالي: