قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يُروى أنه عاش في قديم الزمن إنسانة متّقدة العقل ونافذة البصيرة. وكانت في صيرورتها الأولى في وعيها الذي لم يغبْ عنه يومًا، أنَّها بغض النظر عن الشكل الذي ستتخذه لها قميصًا، هي وجودٌ فيه فيضٌ من إله، وجوهر يزداد لطافةً مع التجربة.

وكان المكان الذي لاقت هيئتها الأولى فيه مظلمًا، يضجُّ بالأصوات الغريبة، من قرع الطبول إلى خرير المياه، إلى أبواق تعكّر انسجام الضجيج وانسجامه، وصوت نسيم ثقيل لطيف يهبُّ كلَّ بضعةِ أجزاء من الدقيقة، لكنَّه كان، رغم ظلامه، وضجيج أنغامه، فَيْءَ صومعةٍ ينصرف الناسكُ فيها لتأمّله، والمتعبّدُ إلى صلاته، والعقلُ الباحث إلى أسئلته واستكشافاته التي يرتبط بها بحبل يمدُّه برحيق الحياة ونواتها الأولى.

وبعد مدّة من الزمن، خالَت لها دهرًا، بدأ يُقرع ناقوس الرحيل، ودبَّ في المكان المظلم الموج الذي صار يرميها خارجه، وكأنَّه يعلِنُ أنَّ الانعزال سيبدَّل بأطياف وأطياف مِنَ الألوان والأصوات والعطور والأحاسيس التي سيؤلم بعضها كَأَلَم بعض الضجيج الذي تسمعه، وقوة دفع الموج الذي تشهدُه.

وانطلقَ المسير! فكبَتَت أنفاسها ودفعت بنفسها مستندة إلى القوة التي تدفعها، وغابت! غابت عن الإدراك لَأَجزآء من الثانية، وإذ هي بين يدين مبللتين باللون الأحمر، والظلامُ يشِّفُهُ ضوء فانوس ضئيل لم تتمكّنْ مِنْ تمييز مصدره بسبب كثافة العوالق في جفنيها!

ولم تكنْ قد التقطت أنفاسها بعد، حتى هوَتْ على عينيها غيمة ٌكبيرةٌ بيضاءُ ضاربةً بتحركاتها الأفقية ما في جفنيها، تفرُّ ومن ثمَّ تكرُّ حتى أعلنَتِ النصرَ بكاءً صَدَرَ منها لأنَّ ما كان فيهما منْ عوالق ينتمي إلى حيث كانت، ولعلَّه كان يحميها مما تتنظرُ عيناها في هذا المكان الهادر بالأصوات المُقلِقة!

ولكن، أين صاحبة المكان التي استضافتها في باطنها وشكّلتها في وجودها الأول؟! بدأت تُجيل بنظرِها الشحيح بحثًا، والصوت منها يخرج كالبكاء غير مفهوم...

ماجَتْ بها الأرض، وعلَتْ، وعصفتِ الريح باردة هذه المرّة، لتلقيها في فَيْءِ سطحٍ أعاد إليها ما كانت ألِفَتْهُ مِن طبولٍ وخريرِ مياهٍ في صومعتِها المظلمةِ؛ عندها عَرَفَتْ أنَّها لاقَتْ أمانَها، وحُضنَها، وصومعتَها التي ستحضنُها في نورِها!

فاستكانَتْ، وهدأتْ، وابتسمتْ، ونامَتْ، وصارتْ تنسج الأحلام!

... عالمٌ غريب وجدَتْ نفسها عالقةً فيه، وكانت تحنُّ أبدًا لصومعتِها الأولى! فقد خلا هذا العالم من بعض ملائكتِهِ وأَحَلَّ مكانها الشياطين! شياطينُ بقَدمينِ وثغرٍ باسمٍ ، وكفّين يطلبان الحُضْنَ، ولسانٍ ينادي بالمحبةِ، وعينينِ تبوحان بالنقيض! وهي، هي لمْ تكُنْ تفهمُ من هذا التكالبِ على تثبيتِ ملكيَّتِها لِغيرِ صاحبةِ الصومعةِ التي أعطتْها أولَّ شهيقٍ؛ لمَ محاولات الإقصاء وهي تعرف أنَّها لا تنتمي إلاّ إليها؟!

بئسَ هذه الأيادي وبئسَ هذه الشياطين!

... لكنَّ المسير لا يتوقَّف، بل يتابع في رسم الطريق...

وبعد مدّة من الزمن تبدو لها اليوم وهلة، وكانت قد بدت في كلِّ جزء من ثانيتها لها دهرًا، أورقتَ هذه الإنسانة، وجَمُلَت، وتحلَّت، وارتقتْ في المعرفةِ معارج، على نقيضِ بعض مَن تعرَّفَت إليهنَّ ممن شاركْنَها التجربة في صوامع مشابهة، فبعضُهنَّ شُدَّ إلى بعض الشياطين، وبعضُهنَّ لم يعرفْ إلى أيِّ جهةٍ يميل، وبعضهنَّ اختار المشي خبطَ عشواء!

المهمُّ أنَّها لمْ تغفِلْ يومًا عن تكوينها الأول، عن ماهيتِهِ وحقيقتِهِ، وعمّا يجب أنْ يكونَ صائرًا إليه، لذلك عانقتِ الأملَ وتعلّقتْ باِلغدِ المنظورِ، الغدِ الأفضلِ، الغدِ الناجحِ السعيدِ، عندما تُزهرُ كالشجرة، وتثمرُ في شتَّى الميادين!

وبعد مدّة من الزمن تبدو لها اليوم وهلة، وكانت قد بدت في كلِّ جزء من ثانيتها لها دهرًا، وُقَّعَتِ الأوراقُ التي زُرعَ بموجبها على جذرها مقلاعٌ، نقلَها من تُربتها إلى تُربةٍ غريبةٍ غير مألوفة العَبَقِ أو الطينِ، وقيلَ لها إنَّها هي التربة الموعودة، والثرى المُنتظر الذي ستنمو فيه للأبد... وتكرُّ الأيام ثقيلة، بطيئة، دهورًا لا تنتهي... فالتربة الموعودة سلَّطَت عليها الصخور، ورجمتها بالحجارة، وأعملت في مدودِها المناشير، وكمّتْ جذورها بالعلَّيقِ، وسرقَتَ أوراقَها، وأوجبَتْ عليها الابتسامَ، والسكوتَ عمّن يسلبُ الهناءَ، والبقاءَ على رضا مَن يقْطُنُ في الجنة لا يعلو الألمُ الصادرُ عنها إلاَّ بالحفيفِ وأغاني الياسمين وملاحَةُ الرياحين... والتزامَ الصمتْ...

أينَ هو وجودها الأول الذي لم تنْسَه؟ أين هو وجودها الثاني الذي شكّلَته وصاحبة الصومعة؟! لا شيءَ مما كان لديها موجود! فقد أحالتها التربَةُ إلى نقيضِ ما كانَتْ، إلى غريبَةٍ لا تتعرَّفُ إليها...

نظرَتْ بما بقيَ لديها من أوراقها الأولى ناحية السماء وسألتْ: ما أنا؟!

وأتاها صوتٌ من التربةِ يقول: أنتِ جاريةٌ بورقةٍ رسمية!