قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من المتوقع جداً أن السوري الفَطِن الذي قرأ البيان الختامي للقمة الثلاثية لرؤساء الدول الضامنة لمسار "أستانة" حول سوريا، تلك القمة التي عُقدت الثلاثاء في العاصمة الإيرانية طهران ونُشر بيانها على الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية يوم الأربعاء 20 من تموز، ربما يتذكر على الفور قول المتنبي "ما كُلُّ ما يَتَمَنَّى المَرءُ يُدرِكُه تجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ" باعتبار أن حال طلاب التغيير نحو عالمٍ أفضل وظروفَ حياةٍ أجمل غدا أشبه بحال من كانوا على متن باخرة تيتانيك، وبخصوص ما تمنوه وما صاروا إليه لربما لم يخطر على بال أكثر السوريين تشاؤماً الوصول إلى هذا المنحدر القاسي في درب الحرية التي سعوا إليها، ونهضوا من أجلها، وقدموا على مذبحها مئات الآلاف من أبناء البلد، عدا عن الدمار في كل قطاعات ومناحي الحياة، وذلك بناءً على ما يجري الآن وحيث أن الذين كانوا عون الجور والطغيان وتوغلوا في جسد البلد، وقضموا من تضاريس سوريا كلٍ حسب هواه وأطماعه ووفق حججه وذرائعه اليوم يناقشون مصير وطنٍ من دون وجود أي شخصٍ من أبناء ذلك الوطن!
وبعيداً عن فحوى البيان وفي مقارنةٍ بين مناخات حِراك الأحرار من جهة، والأحداث الطبيعية على وجه هذه البسيطة من جهة أخرى، فأن تهبط المعنويات لدى العامة والخاصة من أعلى مستوياتها إلى أدناها في أعقاب أي حدث فجائي هو من البديهيات، طالما أن الأمر لم يكن معلوماً ولا كان قد حُضّر له بالشكل الذي أرادوه، بما أن المباغتة كانت العامل الأبرز في الحدث أو الانفجار الذي عايشوا صدمته؛ ومن شبه الطبيعي الإدراك بأن السيول تلي الانفجارات البركانية لا تتوافق عادةً في تدفقها مع رغبات المتفاعلين مع التفجير أو الراغبين بتحويل مساره، بما أن التفجير أصلاً لم يكن معداً له ولا جاء نتيجة تخطيطٍ جيد وعن سبق الإصرار والتصميم، إنما خرج نتيجة تفاعل الطاقات الكامنة في مكانٍ ما، ومن ثم انتشر في باقي الأماكن عقب الضغط المتواصل.
إذ في شأن الطبيعة من كل بد أن الإنسان ما يزال ضعيف أمام تحولاتها الفجائية بالرغم من محاولات تطويعها لخدمة أغراضه الاقتصادية أو العلمية أو السياسية، أما في التغييرات التي تطال بنية المجتمعات البشرية فلا يكون الحراك المجتمعي فجائياً بالرغم من أن التفجير في الأخير قد يكون مباغتاً، ولكن قبيل التفجير الاجتماعي تكون ملامح التغيير قد لاحت في الأفق من خلال حركة المجتمع وتعاطيه مع الأحداث ورأيه في الذي يجري واتجاهات الناس حيال ما يحدث، وفي هذا الإطار فالناظر بعين نقد الذات ونقد مَن كانوا مِن محركي الجماهير للانتفاض، يرى بأن الأمر السلبي في أمر منظري البلد حيال التغييرات الكبرى في مجتمعنا هو أنهم عيّشوا الناس في قصور الوهم وأغروا العامة ببضعة شعارات راحوا يطلقونها على الدوام في كل طلة لهم من فوق المنابر أو في كل اجتماعٍ لهم مع الجماهير على أرض الواقع، وراحوا يرسمون للعامة المستقبل بأبهى حلة فيما أنهم لم يعملوا أي شيء خلاق ونوعي لأجل الوصول إلى ما يدّعون بلوغه، بل وفوقها أخفوا عن العامة المعلومات المتعلقة بأيّة تجارب تاريخية مماثلة أخفقت شر إخفاقٍ في سعيها نحو ما كانت تريده قبيل الانطلاق، وذلك حتى تبقى العامة مصدقة الروايات الرومنسية لتلك النخبة ومنساقة معها من دون أن يروادها أي شكوك أو مخاوف حيال المستقبل اللا منظور الذي يتم رسمه ببضعه كلمات أو بيانات لا تمت للدراسات الحقيقية أو العلوم التجريبية بأية صلة.
ومن بينها على سبيل المثال فمن رسموا الغدَ وكأنه سيكون بمثابة جنة عدن إن قاموا بالثورة ضد النظام السوري وعملوا على إسقاطه، لم يشرحوا للناس عما كانت عليه مسارات الثورات الناجحة أو الفاشلة في المنطقة والتي كانت الجماهير فيها ترى بصيصاً من النور، ولكنهم بعد الثورة على النظام السابق لم يروا في ظل اللاحق حتى ذلك البصيص الذي كان متوفراً من قبل، إنما انتقلوا إلى الظلمات الحتمية بعد ذلك البصيص الذي كان موجوداً من قبل، ومنها على سبيل الذكر الشعب الايراني الذي قام بالثورة ليتخلص من الحكم الشاهنشاهي، إلاَّ أنه بعد الإطاحة بالملك جثم على صدور الشعب الإيراني ظلام الملالي الحالك منذ عام 1979 زمن انطلاق الثورة إلى تاريخ اليوم، فهذا النموذج القريب حيدته النخبة السورية الراغبة بالتغيير، والتي صوّرت الثورة للناس وكأنها ماضية على سكة حديدية ثابتة لا محيد عنها والانتصار الحتمي هو في المحطة المنتظرة.
وعلى المنوال ذاته فلم تنجح من قبلها الثورة الفرنسية* التي انطلقت في عام 1789، باعتبار أن آل بوربون عام 1815، عادوا إلى السلطة بعد هزيمة نابليون بونابرت في معركة "واترلو"، بما أنهم كانوا من السلالة الملكية التي قامت الثورة ضد حكمهم المطلق، ثم أسقطتهم ثورة تموز 1830 ولكن من دون أن يتحقق مبدأ الثورة الفرنسية الرئيسي أي إزاحة الحكم الملكي المطلق، وحيث جاءت سلالة ملكية جديدة من آل أورليان وحكم من خلالها الملك لوي فيليب، بينما في ثورة شباط عام 1848، حتى استطاع الشعب الفرنسي إقامة الجمهورية الثانية بعد إسقاط الملكية.
ومن ناحية أخرى فإن مدّعي مساندة ودعم الشعب السوري في الثورة ضد النظام الحاكم بدلاً من دعم الشعب لاسترجاع حريته وتخليصه من نظام البعث الجائر اختزلوا مطالب السوريين في أدنى مستوياتها، وحرفوا مسار الحراك الجماهيري وأحلام السوريين من شعبٍ يدعو إلى الحرية والكرامة إلى شعبٍ يبحث عن سلة غذائية أو يسعى الفرد من أبنائه للحصول على بيتٍ من الطين أو الكونكريت، ليبين في الأخير بأن السوري الذي كان همه الأول والأخير نيل الحرية وصون الكرامة التي أهدرتها الأجهزة الأمنية بأنه مجرد ورقة وأداة لدى الدول المتحكمة بمصير البلد، وأن غايات وأهداف تلك الدول أهم من كل طموحات وأحلام ومطالب السوريين، وأن آخر هم لدى الداعمين المفترضين هو حرية سورية أو خلاص شعبها من نظام الاستبداد.
ويبقى الأغرب في البيان الأخير الصادر عن الأطراف التي تقوم بتشرّيح جسد الغائب، هو أن الجهات المذكورة نسيت عيوبها تماماً وماذا فعلت بالبلد وأبنائه، وراحت تتحدث عن مثالب إسرائيل وتدين الهجمات العسكرية الإسرائيلية على سورية، واعتبرت تلك الأطراف أن الهجمات الإسرائيلية تمثّل انتهاكًا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وسيادة سورية ووحدة أراضيها، وبأنها تزعزع الاستقرار وتزيد من حدة التوتر في المنطقة، على أساس أنهم حمامات السلام وأن كل طرف منهم جلب الأمن والطمأنينة والاستقرار ولم يجلب الظلم والجور والعدوان! والمُعضِل هو أنهم أكدوا على ضرورة الإلتزام بالقرارات القانونية الدولية وكأن تلك القرارات لا تعنيهم قط بما أنهم يعتبرون أنفسهم مصادر البر والخير والعطاء، وأن تلك القرارات هي تخص إسرائيل وحدها بالرغم من أن إسرائيل خارج البلد المعني، وهم في داخلها بكل قواهم العسكرية والميليشاوية والاستخباراتية!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الموسوعة الحرة.