أتابع كل أعمال السيناريست المصرية مريم نعوم، هى سيدة بمنتصف العمر بمرحلة النضج الإنساني والنفسي، وتعود نشأتها لأسرة أدبية وتعليم بالخارج لسنوات طويلة.

نعوم تؤكد بكل أحاديثها بأن المجتمع المصري يعاني "نفسيًا" على نحو معقد ولهذا هي لا ترسم نهاية محددة لقصص شخصياتها الكتابية، بل تترك دائمًا النهايات مفتوحة الدلالة والمعنى لتوازي "نفسية" المصريين المتردية برأيها. هذا وتعد نعوم واحدة من القديرات في لمس داخل المرأة المصرية المحطم في كثير من الأحيان، وذلك لكونها قديرة أولاً كسيناريست وككاتبة، وثانيًا لكونها امرأة شابة بنهاية مرحلة عمرية دقيقة ألا وهي منتصف الاربعينات.

نعوم لها فيلم سينمائي شهير هو "واحد صفر" وعدد من الأعمال تليفزيونية "سجن النسا، حكاية بنت أسمها ذات، تحت السيطرة، موجة حارة، ليه لا؟" جميعهم كان لي سعادة تأملهم وليس فقط مجرد متابعتهم، واستوقفني حقيقة العديد من الأفكار بتلك الأعمال الإبداعية جميعها.

هناك العديد والعديد من المشاهد والشخصيات التي لمست الكثير بداخلي من إبداع نعوم، أتذكر منها العديد والعديد وربما يكونوا محاور لأحاديث قادمة، إلا أن أبرزهم الآن بذهني، مشهد "الشماعة" بمسلسل "تحت السيطرة" بين رجل شاب وامرأة شابة، أكتشف هذا الزوج الشاب أن زوجته الشابة - التي سامحها وهو الشرقي على كون أنه لم يكن الرجل الأول بحياتها - كان لها ماضي كبير مع الإدمان، فما كان منه إلا الهروب الكبير والخوف من تحمل تبعات ذلك الماضي مع زوجته التي يحبها لحد كبير، هرب وتركها بعيدًا تواجه مخاوفها بمفردها رغم أنها كانت تحمل طفله الذي تمناه كثيرًا.

هو هرب من مساندتها بأزمتها، هرب للخوف من المشاركة بالحل معها ولها، هرب من وجهها ومن حياتها وتركها لتحل أزماتها بنفسها أو لا تحلها وتموت، كل ذلك لم يكن يعنيه، كان يعنيه فقط مخاوفه هو وذاته هو، فما كان منها إلا السقوط في بداية هروبه المفزع منها، حيث سقطت في بئر الإدمان من جديد نتيجة لوحدتها بدونه، ولخوفها الشديد من الحياة بدونه أيضًا، هنا هو لم يسكت أو يعترف حتى بأنه تخلى عن دوره المفترض أن كان يؤديه لها ومعها، بل أعتبر أنها جعلت غيابه عنها "شماعة" لتعليق فشلها بالحياة وسقوطها من جديد ببئر الإدمان!

عالجت نعوم هنا اتهامات ذلك الزوج ببراعة على لسان بطلتها قائلة "أنا مبحملكش أني رجعت أبقى مدمنة.. ولا أنت الشماعة لفشلي.. أنا بس بحاول أفهمك أنا ليه وصلت لكده.. أنت عملت إيه عشاني؟ عملت إيه عشان تساعدني؟ هربت وبتيجي تتفرج عليا! أنت مش شايف غير نفسك" .

انتهى المشهد وانتهى مع تلك المواجهة زمن السقوط، نتيجة انتظار الزوج الحبيب ليساند ويدعم، بدأت رحلة جديدة وهي البحث عن بدائل للمساعدة للخروج من هوة السقوط، مع تنميه ودعم القوة الشخصية وبالفعل النجاح في الوصول للانتصار دون الاعتماد أو الاحتياج لذلك الخائف الهارب.

نحن بحياتنا كذلك لنا أدوار بحياة الآخرين لمساعدتهم على النجاة من "السقوط" وعندما نهرب فنحن ليس "إلا جبناء أو أنانيين" ولكي نظهر أمام أنفسنا بمظهر جيد، نطمئن أنفسنا بأننا لسنا "شماعة" فشل من تربطنا بهم علاقات وثيقة... عندما يصرخ أحدهم قائلاً لك "أنا بموت..." عليك وقتها مد يدك للعون والمساعدة وتحمل صعوبات النهوض، وليس الهروب بسخرية "بتموت ..وأنا مالي في ستين داهية ..أنت اللى فاشل قوم لوحدك".

عندما تقوم بمفردك من كبواتك، لا تحتفظ في حياتك بمن ترك تنهض من الوحل بقوتك الذاتية أو بقوة آخرين، هو لا يستحق بأي حال من الأحوال الإبقاء على وجوده بتلك الحياة.

" شكة"
** الزواج تتويج للتفاهم بين الرجل والمرأة على كافة المناحي الحياتية والنفسية، وليس العكس.
** عندما تفقد الرغبة في شريكك، فأعلم أنه أحيل للتقاعد من حياتك.