أيّ إنسان طبيعيّ يُخلق على الفطرة، فهو يحبّ بطبيعته أن ينضمّ إلى النّاس، وأن يشاركهم أجواءهم الاجتماعيّة، فينخرط في المجتمع، يخرج إلى لقاءات العائلة والأصدقاء والعمل، وهذا يورثه شعورًا بالانتماء والتجدّد والتفاعل بين الجماعات.
لكن هناك نوع من النّاس وعلى قلّتهم تجدهم يحبّون العزلة تلك التي يفضّلون ألّا يروا أحدًا بها، ويصل الأمر إلى الابتعاد عن الأهل والعائلة، وحتّى عن الأصدقاء المقرّبين. فقد حملت العزلة تعريفًا ورد في علم النفس بأنّه الحالة التي يصل فيها الفرد إلى الإحساس والشّعور بعدم الانتماء إلى مجتمعه، ممّا يسبّب لديده ضعفًا في التّواصل مع الآخرين، وبالتالي يفشل في تكوين الصداقات والعلاقات من حوله في مراحل حياته المتتالية.
فهل العزلة لها أثر إيجابيّ أو دائمًا تحمل الأثر السّلبيّ لمن يكون معتزلًا؟
أيّ عادة "مهما كانت" تحمل في جنبيهَا الإيجابيّ والسّلبيّ على أصحابها، وبذلك يمكن أن نقول إنّ العزلة ليست سلبيّة بشكل مطلق، بل هي حاجة الفرد من حينٍ إلى آخر ليجدَ نفسه، ويتوقّف عند أفكاره، ويرتّب بعض فوضاه التي يشعر بها. لكن الاستغراق في العزلة حدّ الانغلاق وعدم الانتماء والبعد عن النّاس والمجتمع وإيقاف عجلة الحياة، واتخاذها أسلوب حياة دائم دون الخروج منها يحمل السلبيّة كلّها التي من شأنها أن تجعل صاحبها قابعًا في الكهف المظلم طيلة حياته.
لكن هل للرّعاية الاجتماعيّة رؤية ودور في معالجة الأفراد المصابين بالعزلة؟
أولت الرّعاية الاجتماعيّة ممثّلة بمختصّيها اهتمامها الكبير في سبيل مساعدة المعتزلين الذين يُميتون أيّامهم بأيديهم؛ فقدّمت للمصابين الكثير من الحلول التي أدّت فعاليّتها، وناصرتهم في أن يخرجوا من القوقعة السّاكنين جوفَها، وكانت أولَى تلك الحلول أن يعرف المريض أنّه مصاب بالعزلة الاجتماعيّة، وينعزل عن محيطه وينطوي عن مجتمعه، ويأتي دور المختصّ في أن يقدّم باقة من الأنشطة التي تعيد تفاعله مع محيطه تدريجيًا في سبيل أن ينخرط بالمجتمع، ومنها التطوّع الاجتماعيّ وغيرها... بالإضافة إلى نشر الوعي في خصوص استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ التي كانت سببًا أساسيًا في كثير من الأحيان لمثل هذه الأمراض ومنها العزلة، كما ساعدت أفكار أخرى مثل الاستعانة بالحيوانات الأليفة تفاديًا للإصابة بالعزلة الاجتماعيّة، والوقوف على المهارات أو المهن التي يمتلكها المريض ثمّ العمل على تنميتها لديه، على أن يستغلّ تلك المهارات والهوايات في وقت فراغه ليستمتع بها، مع الإقدام على فعل ما يرغب به كسماع التدوينات الصوتية "البودكاست"، والقراءة في الكتب، وهناك أمر مهمّ جدًا يعمل الأخصائيّ الاجتماعيّ على تعزيزه وهو الثقة بالنّفس لما لها من دور في مواجهة المجتمع والانخراط به والابتعاد عن العزلة الاجتماعيّة، مع التمتّع بالإيجابيّة والانفتاح على العوالم الأخرى.
بهذا يمكن القول أنّ الرعاية الاجتماعيّة تضع لمساتها، وتؤدّي دورها في معالجة المشكلات الفرديّة والمجتمعيّة الشّائعة.










التعليقات