لماذا نكتب؟ هل نكتب من أجل الاستعراض، أم من أجل أن يُقرأ ما سبق أن كتبنا وبوضوح، حتى نسوق للآخرين وجهة نظرنا ببساطة، بعيداً عن التعقيد والتبجّح والاستعراض الكاذب، وعلى أن يقف عنده القارئ الذي يبحث عن الكلمة الجادة والمفيدة؟ الكلمة التي تسكن في فكره، في وجدانه وفي ضميره. أم أننا نكتب من أجل أن نذهب بالقارئ إلى الجحيم وقهره، وحجره في دوّامة، وفي زاوية معتمة، والعمل على إسقاط حواسه، وإلزامه بقراءة غير مفهومة، بوضع العصي في العجلات من خلال جمل غامضة، ركيكة ميؤوس في فهمها، لا معنى لها ولا هدف، حتى يقول الناس عن ذاك الكاتب إنه متمرس وبارع في التصوير، فضلاً عن أنه يختار جمله وحروفه لجهة إقحام القارئ بصور غير مفهومة، ولا تؤدي الغرض من استعراضه، بل يحتاج إلى فك رموزه غير المفهومة أصلا إلى جهابذة مؤلفي معاجم اللغة العربية، من أمثال معجم "أساس البلاغة" للزمخشري، و"لسان العرب" لابن منظور، و"معجم العين" للخليل الفراهيدي، و"محيط المحيط" لبطرس البستاني، و"مختار الصحاح" لـ محمد بن أبي بكر الرازي، وغيرهم كثير.

برأيي الشخصي، إنّ الكتابة بقدر ما تكون واضحة، مفهومة سلسة وفصيحة، بقدر ما يستمر القارئ في قراءة ما يقع بين يديه. يقرأ مقالاً، خاطرة، بضع كلمات، أو قصة، رواية وغير ذلك.

وإذا لجأ إلى تغيير البوصلة، وبدأ يدبّج جملاً مكان جمل، وينحت من صخر، وما يدسّه لنا من عقد يعيشها ويظن أنها ذات فائدة، فهذا صراحة لا يعني القارئ، بل سينتقل إلى صورة أخرى أكثر وضوحاً، ويطوي ما بين يديه.

القارئ أكثر ما يهمه صور تلفت نظره، تبهجه، يقف عندها ويسأل عن مضمونها، وهي بالتأكيد تحاكي ضميره ووجدانه، وتلامس أوجاعه، همومه ومعاناته!

يكتب الكاتب ليُفهم الجاهل والمتعلم، وليس من أجل الاستعراض والأستذة!

إنّ اللغة العربية ـ بصورة خاصة ـ تثرينا في مفرداتها، وهي من أغنى لغات العالم في صورها الكثيرة والمتنوعة، لا سيما أنها تتضمن كل أدوات التعبير في أصولها، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها.

لنكن واضحين في رؤيتنا، وفيما نكتب وندون، ونقل ما هو مفيد للقارئ، بعيداً عن الاستعراض والأستذة الكاذبة!

الاستعراض الذي يرفضه القارئ والكتاب الكلاسيكيين على السواء الذين يظل لهم حضورهم، بالرغم من الحداثة التي استخلصنا منها كثيراً من العبر!

وأخيراً نقول ما أجمل الكتابة عندما تلامس شغاف القلب... تذوب الحروف وتذوي أمام العين مع كل كلمة تقرأها، ويتذوقها القلب وتسري بين جوانحه، بتلهف واستطراد وإكمال ما بين أيدينا من حروف وكلمات... وهنا ما يعني نباهة الكاتب، وما مدى تذوق ما يقوله ويشير إليه، ويدفع به للقارئ الذي كل ما يبحث عنه جملة مفيدة ذات معنى، وليس بحاجة إلى فك طلاسم ما يقرأ، والاستعانة بمعاجم يزيدها تعقيداً.