كتب محمد كريشان المذيع في قناة (الجزيرة) الفضائية التابعة للحكومة القطرية في جريدة القدس العربي في 22 سبتمبر (ايلول) 2004م، مقالا عن تصريحات رئيس الوزراء العراقي اياد علاوي واصفا تصرفه "بغاية الغرابة" وناقلا عنه بالحرف الواحد "انه مصر على تحرير الفلوجة بمساعدة اهاليها وسحق الارهايين!!، وذلك في سياق حديثه عن استياء عشائر الفلوجة وهيئاتها من المتطرفين وممارساتهم". وهنا تساؤل، هل كانت غرابة كريشان على سحق الارهابيين؟ ام على تحرير الفلوجة المختطفة من قبل الارهابيين بمساعدة الاهالي؟ فاياد علاوي لم يقل شئ منكرا او مستغربا، بل قال امرا بدا سليما وفي اطار خطوة ايجابية، لابد وان تتم، وهي القضاء على مصدر السيارات المفخخة والسرايا الملثمة المتخرجة من سلخانات الفكر العربي والاسلامي الغثة. ان المسلحين الذين يرهبون اهالي الفلوجة بالغداة والعشي، اصبح امرا لايحتمل. ومن هنا كان لابد وان تتدخل الحكومة المؤقتة، واي حكومة على وجه الارض، لوقف مثل هذه التجاوزات التي اضرت بالاستقرار وبالعملية الانتخابية القادمة في يناير (كانون الثاني) القادم، والتي سيخضع لها اياد علاوي وغيره من المتقدمين للترشح في اول انتخابات من نوعها، في بلد وشعب ألف -بكسر اللام- الاستبداد وادمن ممارسة الطغيان عليه طيلة 35 عاما. النجف مثلها مثل الفلوجة تم اختطافها من قبل جيش المهدي المسلح حتى اسنانه، بحجة الدفاع عن قبر الامام علي ابن ابي طالب، وفي حقيقة الامر والواقع، ان القبر هو الذي يدافع عن افراد جيش المهدي وابوه الروحي مقتدى الصدر، لان خطوة الحكومة العراقية هي نزع اسلحة الميليشيات المسلحة، ويعتقد ان في هذا الفعل مطلب عادل و شعبي، يهدف الى الاستقرار ومزيد من الامن وحماية للمواطن، الذي اتخم وشبع من منظر الدم والنزاعات المسلحة. وما المظاهرات الشعبية الاخيرة التي خرجت و طالبت بأخراج الصدر وجيشه من النجف، الا دليل على ذلك الشبع المنتفخ. فجيش المهدي خرج بتمرده هذا على البقية المتعدد من المجتمع العراقي في اصراره على المواجهة المسلحة، وافتعال الازمات كلما مول وطلب منه ذلك من بعض دول الجوار لزعزة الاستقرار، لاثبات الفشل الامريكي في العراق، ووقف فيروس عدوى الديموقراطية (الموعودة) من تنقلها في المنطقة، وتسديد فواتير الحسابات السياسية.
يخلط محمد كريشان، مثل كثير من القوميين العرب، فضلا عن اصولييه، بين الاحتلال الاسرائيلي لاراضي فلسطين عام 67م، والطمع بالارض والغاء الهوية العربية ويهودة الحجر والشجر والبشر، وبين عملية تحرير العراق من قبل قوات التحالف -حاليا متعددي الجنسيات- ووقف القمع والاستبداد عن شعب رزح تحت نير (المستعمر الوطني) طيلة فترة ليست بالهينة، ومحاولة حثيثة للمجتمع الدولي، لاخراجه الى متنفس حر وجو صحي طبيعي. اذ يضع القوميون العملية برمتها في سلة واحدة، وهذا العمى الذي تسبب في الخلط، له منطلق مستفحل وهي الـ(كراهية) في مكنون النفس، ضد كل ماهو امريكي او غربي، فتعمى بسببها كل نفسيه تحمل هذا الوصف بصيرتها، في التبصر والادراك، ومن ثم صعوبة التمييز بين الاشياء، فتصدر كلاما يشوبه قليلا من التلوث والتشوه، لتسدي -نفسية من هذا النوع- النصائح لرئيس الوزراء العراقي بعد تعييره بسجله الشخصي وتعيين الغزاة له، ناصحة، ان يحرر من المحتل، لا ان يستأصل التطرف والارهاب ويحرر بذلك المجتمع العراقي من حفلات القتل الجماعي المروع اليومي. وهذا الدور الغير مباشر تارة، والمباشر تارة اخرى، المدافع عن الارهاب والارهابيين، تحفل به قناة (الجزيرة) ايضا منذ الحرب على (ظلام) الطالبان وتحرير شعب افغانستان، بمواقف سجلها مراسلها انذاك تيسير علوني، الذي قلب الحقائق والوقائع ونتائج الحرب رأسا على عقب لصالح الحركة الاصولية البربرية ضد هبة الحضارة المدنية المخلصة، حتى فوجئ هو وغيره -واحبط من احبط وزلزلوا زلزالا شديدا- في (الجزيرة) بالنصر الكاسح والمؤزر للقيم المدنية، واندحار التخلف وانقشاع الظلمة وبزوغ شمس الحرية وظهور نهار الديموقراطية الوليدة، اذ سجل اربعة مليون امرأة للترشيح، وترشحت واحدة، في انتخابات هي الاولى من نوعها، بعد ان استنزف (اخوان الجهاد) كل مقومات الحياة وتلاها دعس وسحق كرامة الانسان لخمس سنوات اخرى باقدام طالبان والقاعدة المختبئة في كهوف القرون الوسطى حيث مكانها الدائم والطبيعي. نعجب كثيرا ان تبقى لغة الاستغراب مستحوذة على مذيعي القناة ففي نقل مباشر لاعمال الدورة 59 للجمعية العامة للامم المتحدة، وبعد خطاب الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، علق بعد انتهاء الخطاب مباشرة يستعرض الحدث، مذيع "مهني" اخر (انتقل من قناة ابو ظبي الفضائية الى الجزيرة) ساخرا ومستغربا، اقتراح الرئيس الامريكي لطلب تأسيس "صندوق للديموقراطية" داخل الامم المتحدة، ناعتا اياه بالاقتراح الـ"طريف". في حين يفترض انه لامجال لاستعراض الآراء الشخصية للمذيعين في الاخبار او ساعة النقل الرسمي المباشر، اذ تعليقات كهذه تفقد القناة المصداقية وتقلل من شأن الخبر وناقله. يبدو ان (للجزيرة) مهنيون متخرجون من كليات اعلام من نوع (خاص)، غير الاعلام الاكاديمي المستند والمتعارف عليه والمتخرج منه اعلاميو العالم المحترف. اذ ان هناك (كمشة) غير قليلة من محرري ومذيعي ومراسلي القناة -ننزه منها حافظ الميرازي، جميل عازر، توفيق طه المحايدين المحترفين- جمعوا من اماكن متفرقة ولكن صقلوا في مصنع واحد وطرقوا بمطرقة الفكر الاحادي التحريضي المثقل بالانحياز والمطعم بالكراهية. يتصلب القائمين على القناة عن العدول من المواقف السلبية، ومنهم من لايقبل المراجعة او الاعتراف بالاخطاء، بالرغم من التغييرات التي طالت رؤوس في (الجزيرة)، الا ان السير على تلك الوتيرة لاتزال واحدة وممتدة وكانها متوارثة، وبقرار من فوق.
صرح المذيع احمد منصور في مقابلة مع وزير خارجية قطر في برنامجه (بلا حدود)، ان لا مهنية ولا حياد للصحفي والاعلامي امام قضاياه القومية والاسلامية، بعد ان افترض معالي الوزير في سياق الحديث ان على الاعلامي والصحفي الحيادية في النقل وتصوير الاحداث وطرحها كما هي، الا انه كان لـمنصور رؤية اخرى غير التي تعلمها الاعلاميين المحترفين!.
ولذلك، نصف مشاكلنا تسبب بها اعلام واعلاميين من هذا النوع، منذ زمن اعلام حرب الستة ايام، الذي لايعرف الحيادية وانما الانحياز بجدارة وفجاجة، ويتفاخر بذلك علنا. حتى ان اعلام كهذا اسهم بالاضرار بقضايانا المتعددة، بنقل صور متشنجة ومحرضة للمجتمعات، عن كل ساحة صراع او معركة. واهمها الصراع العربي الفلسطيني، اذ تقذي القناة لهيب النار المشتعلة هناك، داعية حتى اخر قطرة دم، لاخر فرد في الشعب الفلسطيني، من مبدا (عدم الحياد وضرورة الانحياز). والواقع ان اي قضية عربية عادلة ناصعة البياض، لاينقصها سوى نقل الصورة الحقيقية والحيادية في طرح الاحداث، وليست بحاجة للمزايدة او اضفاء الرتوش التقبيحية. كما لاتتوانا القناة من استقدام محللين سياسيين او عسكريين سقطت تنبؤاتهم مرارا في كذا تحليل وعدة احداث وحروب. ولاتزال (الجزيرة) تروي وتغذي المشاهدين بتحليلاتهم واطلالاتهم، التي لاتنضب ولاتنقطع ولا تتوارى من خجل الظهور على الجمهور ثانية، من اثار الفشل ومن خيبة التكرار.
ان لفظ "الثالوث" الذي ورد في افكار مقال محمد كريشان قاصدا به علاوي، شعلان، النقيب. انما ينبئ بما وراء الاكمة من غضب وحنق، جراء اتخاذ الحكومة العراقية قرار اغلاق مكتب قناة (الجزيرة)، لتجاوزها خط المهنية الاعلامية الحيادية، والتي لايدركها بعض العاملين المؤثرين في سير القناة، اذ جيرت حملة مناهضة للاغلاق، ولها الحق في ذلك الحشد مادامت تخضع سياسة القناة للمراجعة والنقد، وتعيد النظر في المعايير المهنية الاعلامية المنتهجة، من باب كشف الحساب ونتائجه عند كل مرحلة او عند كل حلة جديدة ترتديها القناة. ولاضير ابدا في اعادة تأهيل بعض المذيعيين من جديد واخضاعهم لـ(كورس) كافي يحقق القيم المطلوبة في بناء الصحفي الملتزم العامل لقناة (الجزيرة) ومهما علا شأن ذلك الصحفي او بعض مقدمي البرامج الفاعلين الذين رفعوا اسهم القناة، اذ لاخجل من اعادة تأهيلهم مجددا، والبدء بتعلم الاحرف الابجدية الاولى في الصحافة والاعلام والقيم الانسانية والمهنية والحيادية او على الاقل تذكيرهم بها. والوضع برمته قابل للتفسير، اذ ان كل صحيفة اعلامية او قناة تلفزيونية تجذب العاملين نحوها وفق نهجها وخطها السياسي، ففي الصحف والقنوات الليبرالية منها، يحاول العاملون فيها التوفيق مع سياسة رئيس التحرير او المدير العام للقناة، وكذلك طبيعة التوجه العام الاعلامي فيها، وخطها السياسي المنتهج في المؤسسة الاعلامية، بل ان الاجتذاب يطال حتى الكتاب والقراء او المشاهدين الليبراليين منهم، ويبدو ذلك جليا من الاستبيانات التي يصوت المشاركون من خلالها، اذ تظهر بوضوح مدى تفوق نسبة شريحة الليبراليين في الاستفتاءات المطروحة والمنتقاة بعناية، عن غيرها من الشرائح الاخرى، والامر نفسه يتم عندما يكون خط القناة او الجريدة قومي او اصولي او كلاهما معا. وحيث لا يجد الكتاب الليبراليون قبولا فيها او قد يقذفون في احسن الاحوال على صفحة (المنبر) الخاصة بالعوام من الناس. سيفرح بلا شك المشاهدون عندما يكون هناك نقلا واقعيا ومهنيا وحياديا لقناة (الجزيرة) او اي قناة عربية اخرى، ويترك للمشاهد شأنه في بلورة افكاره بنفسه والحكم عليها وفق رؤيته وتجاربه دون التأثر او الوصاية بايديولوجية القناة التي كنا يوما نحبها، مثل (الجزيرة)، خاصة قبل ان يظهر لها منافس على الساحة الاعلامية العربية الفضائية، حتى لحظة ان ادخل مذيعيها اصابعهم وحدهم في عيونهم -وليعذرنا كريشان على استعارة هذا التشبيه منه- حين آثروا خط التشدد ودعم التطرف والارهاب العابر للقارات. والهدف مما تفعله (الجزيرة) هو تأجيج الشعوب وتحريضهم على الكراهية، لان الغالبية الجماهيرية العربية والاسلامية يسودها الثالوث الرهيب -وليس ثالوث كريشان الغريب- بل هو الثالوث الحقيقي الذي لاثالوث له، الفقر، المرض، الجهل، وبالتالي كسب شعبية هذه الجماهير وسهولة انقيادها وتوجيهها سيتم لاحقا بيسر وفق اجندة خاصة سيكشف الوقت عن طبيعتها.
* كاتب وباحث اكاديمي يمني




التعليقات