ليس بعد، ولكننا في الطريق الصحيح.

كنت قد كتبت قبل عدة أشهر مقالًا في صحيفة العرب بعنوان: «بعد اثنين وثلاثون عامًا، هل يمكننا القول انتهت المؤامرة؟»، تناولت فيه ما اعتقدت، ولا أزال، المؤامرة متعددة الأطراف الإقليمية والدولية، والتي كانت فيها حماس والجهاد الإسلامي رأس الحربة ضد قيام دولة فلسطينية مستقلة، بالتعاون مع اليمين الإسرائيلي.

أنا لست صحفيًا أو كاتبًا اعتياديًا، ولكني أحاول أن أقرأ بطريقة مختلفة من واقع عملي السابق والأسبق والحالي، وأنتمي إلى المدرسة الواقعية، وعليه أتدرج في كتاباتي لأعبّر عن نفسي وعن الخط السياسي والمدرسة التي أنتمي إليها، فأنا لا أكتب فقط ليستمتع القارئ، ولكني أكتب لأعبّر عما يجول في نفسي، وأيضًا من واقع رغبتي في مشاركته مع الآخرين.

اليوم، وبدخول المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، يمكنني القول إننا نسير في الاتجاه الصحيح، وأن القيادة الفلسطينية في طريقة تعاملها مع ما تم طرحه تمثل نظرة عقلانية وواقعية، وقد لا أكون مبالغًا إن قلت إنها كانت المهندس الرئيس لفكرتها بشكل عام، وقد سعت لذلك منذ فترة طويلة، بالرغم من ما يقال ويشاع هنا وهناك، وهذا تقريبًا ما طرحته في مقالي الأخير.

وعليه، فإن ولادة لجنة التكنوقراط لإدارة المرحلة الانتقالية الثانية في قطاع غزة، والتي شكر رئيسها د. علي شعث، والذي أعرفه وعملت معه في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، الرئيس محمود عبّاس، تمثل رسالة سياسية لمن أراد أن يفهم، وتمثل أيضًا الخطوة الأولى في طريق عودة السلطة إلى قطاع غزة، والخلاص النهائي من حكم الميليشيات، التي أضرت بقضية شعبنا، وأخرت الحل لما يزيد عن عقدين الزمن.

عندما وقعت حماس على خطة ترامب، لم تكن تدرك حقيقة أنها وقعت على شهادة وفاتها، ووفاة المؤامرة الكبرى التي قادتها بصفتها فرعًا من فروع الإخوان المسلمين، الذين يتميزون بسذاجة لا مثيل لها، فهم قد وضعوا أنفسهم أولًا، ووضعوا الشعب الفلسطيني وقضيته في خضم زلزال أدى إلى كارثة، نحاول بكل ما أوتينا من قوة، وبإمكانياتنا المحدودة، التخفيف من آثارها وتبعاتها.

ويمكنني القول إن خطة الرئيس ترامب ذات العشرين نقطة تمثل حجر الارتكاز لنهاية حقبة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني، وتفتح الباب لحقبة جديدة نأمل أن يكون فيها خير هذه القضية التي طال إهمالها. ولا شك أيضًا أن ما يحدث الآن يشكل نهاية حقبة عالمية بكل مكوناتها وأيديولوجياتها ومنظريها، وولادة حقبة جديدة مخصصة للأذكياء فقط، ذوي الرؤية الثاقبة والواقعية، والذين يتحلون بالمرونة الشديدة للتعامل مع ما يحدث.

في كل مرحلة من مراحل التاريخ، وعلى مر العصور، تحدث اهتزازات كبرى تغيّر العالم بأسره، وقد رأينا أفول إمبراطوريات كبرى وظهور إمبراطوريات جديدة، آخرها ما حدث خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، وهذا يحدث كل عدة مئات من السنين، ربما أقل أو أكثر، ولكنه يحدث. كما شهد ولادة دولة إسرائيل بعد مخاض قاسٍ ومكلف، فقدت فيه البشرية ما يقارب 16 مليونًا في الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية ما يقارب 60 مليونًا، وعمل استمر ما يقارب الخمسين عامًا لتصبح إسرائيل أمرًا واقعًا.

واليوم يشهد العالم، ويشهد جيلنا، أفول دول وأنظمة، وسيشهد بكل تأكيد ولادة دول جديدة، منها بلا شك فلسطين.

أخيرًا، أقول إن مجلس السلام وأعضائه وأسماء مجلسه التنفيذي، وحتى أعضاء لجنة التكنوقراط، ليسوا بالأهمية القصوى بالنسبة إليّ، وإنما كيفية التحرك والتقدم في تنفيذ الخطة هو الأهم، وكيف ستخرج حماس من الصورة، وكيف ستعود السلطة هو الأكثر أهمية. فهذا هو المفتاح للبنود الأهم في الخطة، وهما المتعلقان بآفاق السلام وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، التي نصت عليها الخطة في سبيل إقامة دولته المستقلة. ويجب علينا مواجهة الحياة كما هي، بأحلامها وتحدياتها، والتصالح مع قسوتها أحيانًا، والتركيز على الإيمان بالنفس وبأن الأمل موجود، مع الإدراك بأن الحياة ليست مثالية، ولكنها جديرة بأن نعيشها بشجاعة وتركيز على القيم الحقيقية، وبذل الجهد، والتعلم من التجارب. ويظل الأمل هو تلك النافذة الصغيرة التي، مهما صغر حجمها، إلا أنها تفتح آفاقًا واسعة في الحياة، ولولا الأمل في الغد لما عاش المظلوم حتى اليوم.