السؤال هنا: متى تظهر هذه الإشكالية؟ ومن يحتكر حق السلاح؟ الأصل أن السلاح أعلى درجات القوة الصلبة، والسياسة لا تخرج في تعريفها عن ممارسة واحتكار القوة، والهدف من الاحتكار الحفاظ على وحدانية الدولة، وقدرتها على ممارسة سيادتها على كل إقليمها، والحيلولة دون الاعتداء عليها، والحفاظ على مواطنيها. وفي هذا السياق لا يجوز تجزئة السلاح وامتلاكه من قبل جماعات معينة داخل الدولة، فهذا يعني تحول الدولة إلى دولة فاشلة ضعيفة قابلة للتفكك وتجزئة سيادتها. وحفاظاً على سيادة الدولة ووحدانيتها وقوتها، تخصص الدولة موازنات كبيرة للإنفاق العسكري، وتطوير قدراتها العسكرية، وبناء جيش وطني قوي يجسد وحدانية السيادة، فلا يمكن تصور وجود جيشين مثلاً يسيطران على إقليم الدولة.
وهنا النماذج كثيرة في السودان وليبيا واليمن وحتى العراق، بامتلاك جماعات كثيرة السلاح، ولعل النموذج اللبناني الأكثر وضوحاً الآن، فامتلاك حزب الله السلاح وسيطرته على منطقة الجنوب يعني فقدان الدولة اللبنانية لشرعيتها ووجودها. وهنا المسألة لا تتعلق بالموقف الإسرائيلي ومطالبته بنزع السلاح، المعيار هنا الحفاظ على وحدانية الدولة ووحدانية السلاح، وبعدها تصبح وظيفة الدولة حماية حدودها ومواطنيها. وحتى في حالة السلطة الفلسطينية، وبالرغم من الاحتلال والحق في مقاومته بالمقاربات الشرعية، لكن طالما هناك سلطة واحدة ولها مؤسساتها الأمنية ولها حق ممارسة السلطة، هنا لا يجوز للفصائل امتلاك السلاح بعيداً عن السلطة، طالما أن هناك بدائل ومقاربات بديلة لإنهاء الاحتلال، وعدم منح إسرائيل المبرر لاستخدام القوة، كما رأينا في نموذج غزة وحرب العامين، والتي نتيجتها تدمير غزة بالكامل، وأكثر من 100 ألف قتيل، وضعف العدد يعانون من إعاقات بشرية تضعهم في عداد غير القادرين.
هذه الأمثلة لها معنى واحد: أن السلاح لا يمكن تجزئته في حالة وجود دولة واحدة وسلطة واحدة. فاستخدام السلاح له شرعيته المعترف بها، وخارج هذه الشرعية يصبح سلاحاً غير شرعي. وكما نعلم في أدبيات السياسة والدولة، فإن السيادة هي العنصر والركيزة الأساسية التي تقوم عليها وتكتمل الدولة بها، وهي معيار التمييز بين دولة قوية فاعلة ودولة فاشلة ضعيفة. بل إن مكونات الدولة، وهي الإقليم والشعب، لا تكتمل إلا بالسيادة، والتي تعني اعترافاً من قبل الدول الأخرى بالدولة مستقلة كاملة السيادة، وبناءً عليها تُقبل عضواً في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وبناءً عليه يتم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين الدول.
فالسيادة تعبر عن استقلالية الدولة في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية، فمن سمات القرار السيادي أنه لا يقبل التجزئة، وكما عبّر عنها هوبز: السيادة كلية مطلقة شاملة لا تقبل التجزئة. امتلاك السلاح من قبل جماعات أخرى يعني إلغاءً ونقيضاً لهذه الصفات، ويعني أيضاً تقاسم السيادة وتقاسم القرار. هذا، واحتكار الدولة لحق اتخاذ القرار المسنود والمدعوم بشرعية السلاح تجسيد للمصالح والأهداف العليا والحيوية للدولة، وهي أهداف ومصالح واحدة.
وهناك جانب خطير في تجزئة السلاح وتملكه من قبل أحزاب وفصائل داخل الدولة، وهو تبعية هذه الأحزاب والفصائل لغيرها من الدول، وهو ما يعني تدخلاً وانتهاكاً لسيادة الدولة، وأكرر بالنموذج اللبناني وتدخل إيران وبدعمها لحزب الله. وفي هذا السياق الأساس تكون عملية تداول السلطة عبر الوسائل الشرعية، وأهمها الانتخابات التي تعطي الحق الشرعي لممارسة السلطة، لأنها تعبير وتجسيد للإرادة الشعبية. ولهذا السبب تعتبر الانقلابات العسكرية غير شرعية، إلا إذا لجأت إلى إرادة الشعب لمنحها الشرعية.
وهذه الإشكالية أيضاً تعبر لنا عن علاقة السلاح أو المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية، وأساسها تبعية المؤسسة العسكرية بقوتها للمؤسسة السياسية صاحبة القرار الشرعي. ولعل هذا ما يميز أنظمة الحكم الديمقراطية عن غيرها، والمثال هنا بالنظام السياسي الأميركي، وبالرغم من أنه يملك أقوى جيش في العالم، إلا أن المؤسسة العسكرية تخضع للمؤسسة السياسية وتلتزم بالقرارات السياسية التي تصدر عن السلطة الشرعية، ولنا في أنظمة الحكم الخليجية مثالاً آخر. وفي النماذج الأخرى، والتي فيها تملك الفصائل والأحزاب القوة المسلحة، لا تلتزم بالقرار السياسي الصادر عن السلطة الشرعية.
ويوجد جانب مهم في إشكالية السيادة والسلاح يتعلق بطبيعة نظام الحكم وقدرة الدولة على أداء وظائفها، وبتعميق مفاهيم الحقوق والمواطنة الواحدة، وقدرات الدولة الوظيفية بتطوير قدراتها الاقتصادية والاستجابة للمطالب المتنامية لمواطنيها. فبقدر رشادة الحكم، وبقدرة كفاءة الدولة على أداء وظائفها، وإحساس المواطن بانتمائه وولائه، وبناء البنية المجتمعية الواحدة، تنتفي كل المبررات غير الشرعية لبعض الجماعات لتملك السلاح لفرض نفسها بديلاً للسلطة القائمة. فالسيادة ليست مجرد توصيف ومظاهر بقدر ما هي سياسات وقرارات فاعلة تنفي أي تملك للسلاح للجماعات الخارجة والساعية لفرض سلطتها. ويبقى أن قوة السلاح بقوة السيادة، وقوة السيادة بقوة السلاح الشرعي.
























التعليقات