قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


باجراء الاقتراع في الثلاثين من كانون الثاني تكون الحملة الانتخابية في العراق قد انجزت الجزء الاكبر والاهم من مراحلها؛ وستكون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق؛ باعتبارها الجهاز الانتخابي الارأس لبلادنا؛ قد نفذت وبجدارة عالية التزامها كهيئة حكومية مستقلة اذ لم يسبق لاي جهاز انتخابي حتى في البلدان الاكثر تقدما ان قام باجراء الحملة الانتخابية بآجال قياسية وفي ظل ظروف بالغة التعقيد كالتي يعيشها بلدنا في الوقت الراهن. على ان ما تبقى من خطوات لا يقل اهمية؛ ان لم يكن الاهم؛ من بين مراحل العملية الانتخابية؛ فعملية عد الاصوات واعلان نتائج الاقتراع ومن ثم توزيع المقاعد البرلمانية على الكيانات السياسية تعتبر المرحلة الاكثر حساسية في سلسلة الاجراءات الانتخابية.
من الطبيعي ان تكون المعضلة الرئيسية التي تواجه الاجهزة الانتخابية خلال عملية احصاء اصوات الناخبين هي كيفية استبعاد اي نوع من انواع التزوير اذ ان التجربة الانتخابية للكثير من بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية؛ وحتى في بعض البلدان الاوربية المتقدمة؛ تشير الى ان اللجان الانتخابية عادة ما تعثر على اوراق انتخابية اكثر من اعداد الناخبين المثبتين في سجلات الاجهزة الانتخابية. وفي بعض الاحيان فقدان الكثير منها حتى قبل وصولها الى الجهاز الانتخابي المركزي. وليس غريبا على التجارب الانتخابية اكتشاف مرتشين ومتحيزين لهذا الكيان السياسي او ذاك ضمن اعضاء الاجهزة الانتخابية. من هنا برزت الحاجة الى استنباط قواعد لتنظيم عملية الرقابة على عمل اللجان الانتخابية سواءا بواسطة ممثلين للاحزاب والكيانات المساهمة في العملية الانتخابية او من خلال الاستعانة بمراقبين دوليين وممثلين عن الصحافة المحلية منها والاجنبية. وتتميز العملية الانتخابية الجارية في بلادنا بخصوصيات قد تجعل منها سابقة عملية تضاف الى التراث الانساني في مجال تنظيم العملية الديمقراطية ومن بين اهم تلك الخصوصيات هو اجراء الاقتراع في ظروف المواجهة الحقيقية بين قوى الارهاب الدولي والمؤسسات العراقية الناشئة بالاضافة الى تداخل الوطني والدولي في التنظيم القانوني للعملية الانتخابية واستثناء اعداد غفيرة من عراقيي المهجر من عملية المساهمة بالانتخابات بسبب عدم شرعية المؤسسات الدبلوماسية العراقية وخشية تدخلها (السفارات) للتأثير على نزاهة الانتخابات سيما وان تلك السفارات ما زالت تحتضن العديد من رموز النظام المقبور؛ تلك الرموز الاكثر عداءا للعملية الديمقراطية الجارية في بلادنا؛ حتى انه يمكننا القول بأن السفارات العراقية في الخارج تشكل في الوقت الراهن الخطوط الخلفية في جبهة الحرب الارهابية ضد وطننا.
من الامور الهامة لضمان النزاهة اثناء اجراء عملية احصاء بطاقات الناخبين هي ضرورة الاسراع باحصاء نتائج التصويت اذ ان وضع فترات زمنية طويلة بين غلق مراكز الاقتراع واعلان نتائجه قد يزيد من امكانية التلاعب باصوات الناخبين ومن ثم يوفر الارضية للطعن بنتائجها من قبل الاطراف الخاسرة في العملية الانتخابية. ففي بنما والسلفادور؛ على سبيل المثال؛ حيث الفترة الزمنية بين انتهاء العملية الانتخابية واعلان نتائج التصويت تتجاوز بضعة اسابيع جعل من الازمات الانتخابية في هذين البلدين امراً معروفاً لدى المراقبين الدوليين؛ لذا ذهب اغلب المختصين الى تحديد آجال قصيرة للاعلان الرسمي عن نتائج الاقتراع سيما وان التطور العلمي والتكنولوجي يجعل من اليسير اجراء عملية الاحصاء في آجال قصيرة. على ان الاعلان غير الرسمي لنتائج العملية الانتخابية قد تظهر في وسائل الاعلام بعيد اغلاق مراكز الاقتراع وذلك استنادا الى الاستفتاء غير الرسمي للناخبين انفسهم.
ان النتائج النهائية للانتخابات تتألف؛ كما هو معروف؛ من ثلاثة عناصر هي نسبة المساهمين في عملية الاقتراع ونسبة المصوتين لهذا الكيان او ذاك وعدد المقاعد البرلمانية. وترتبط النتيجة النهائية للاقتراع ارتباطا وثيقا بالطريقة الانتخابية المتبعة (النظام الانتخابي). فعند اعتماد طريقة الانتخاب الفردي ( سواءا طريقة الدورة الانتخابية الواحدة او الدورتين) تكون عملية توزيع المقاعد الانتخابية اسهل بكثير مما هي عليه في حالة اعتماد الطريقة النسبية (طريقة القوائم الانتخابية) ذلك ان مسألة عد الاصوات واختزال الفائزين من قوائمهم الانتخابية شكلت ولا تزال تشكل معضلة بالنسبة للقائمين على تنظيم العملية الانتخابية في البلدان التي اخذت بطريقة القوائم الانتخابية. على انه لابد من الاشارة هنا الى ان اغلب المختصين في مجال القانون الدستوري متفقين على ان الطريقة النسبية توفر تمثيلا عادلا للكيانات السياسية والمكونات القومية والطائفية للمجتمع مما جعلها واسعة الانتشار وخصوصا في الدول ذات التركيبة السكانية المعقدة (اقصد من ناحية التركيبة القومية والطائفية). وتجدر الاشارة ايضا الى ان ثمة عوامل تؤثر بهذا القدر او ذاك في تحديد الطريقة الانتخابية المعتمدة ربما يبرز من بين اهمها مقدار تجذر التقاليد الديمقراطية في الوعي الشعبي ومدى تطور المنظومة الحزبية للبلد وليس اقل اهمية شكل الدولة؛ ففي الدول التي اتخذت من الفيدرالية او الاقاليمية شكلا للدولة غالبا ما يتم اعتماد الطريقة النسبية بهدف التمثيل الانسب للاطراف في الاجهزة الفيدرالية (الاتحادية) للدولة. وكذلك بالنسبة للدول التي تعتمد التعددية الحزبية مبدءاً في الحكم مما يؤمن تمثيلا مناسبا للاحزاب والكيانات السياسية.
بالعودة الى موضوعة توزيع المقاعد البرلمانية لابد من التأكيد على ان ما توصلت اليه البشرية من اساليب معاصرة كان قد مر بمراحل طويلة وخضع لتطبيقات وتحسينات وما يزال مختبر الديمقراطية ينتج المزيد منها. على اننا سنكتفي في هذه المادة بتوضيح الطريقة التي سيتم اعتمادها لتوزيع مقاعد الجمعية الوطنية العراقية الانتقالية بين قوائم الائتلافات والاحزاب والكيانات السياسية المتنافسة على مقاعد البرلمان العراقي الانتقالي. فقد نصت الفقرة الرابعة من القسم الثالث من قانون الانتخابات رقم 96 على اعتماد
" حساب اولي يستخدم الحصص البسيطة (هير كوتا) وعلى حسابات اخرى تالية تستخدم اكبر المتبقي" وارى لزاماً توضيح ماهية هير كوتا والاكبر المتبقي كمفهومين حقوقيين لحساب حصص الكيانات في البرلمان؛ غريبين على المواطن العربي غرابة التجربة الانتخابية ذاتها.
الكوتا الانتخابية (ويطلق عليها ايضا المتر الانتخابي) و تعني الحد الادنى من الاصوات الذي ينبغي على الحزب السياسي الحصول عليه للفوز بمقعد برلماني واحد. ويتم تحديد الكوتا من خلال تقسيم مجموع البطاقات الانتخابية (الاصوات) على عدد المقاعد البرلمانية (275 مقعد في الحالة العراقية). وسميت هذه الطريقة باسم مخترعها المحامي البريطاني توماس هير الذي اقترح اعتمادها لتوزيع المقاعد الانتخابية في عام 1855؛ الا ان من بين اكبر المشاكل التي واجهتها هذه الطريقة عند تطبيقها هي عدم تمكنها من توزيع جميع مقاعد البرلمان من الدورة الانتخابية الاولى بالاضافة الى الصعوبة في كيفية التعامل مع المتبقي (الفائض) من الاصوات لدى هذا الكيان السياسي او ذاك سيما وان البعض من ذلك الفائض يكاد يقترب مع الكوتا الانتخابية ذاتها؛ هذا ناهيك عن الكمية الهائلة للاصوات فيما لو جمعنا الفوائض لدى جميع الكيانات السياسية مما يعد اخلالا بالطبيعة التمثيلية للبرلمان المنتخب. لذا نجد ان طريقة توماس هير تعرضت لتعديلات كبيرة كان من بين اهمها منح مقاعد اضافية للكيانات السياسية ذات المتبقي الاكبر وبذلك يكون الجهاز الانتخابي قد قام بحل مشكلتين في آن واحد حيث وزع جميع مقاعد البرلمان وحقق مبدأ تمثيل الناخبين من خلال منح ممثليهم السياسيين مقاعد اضافية في حهاز الدولة المنتخب.
ولتبسيط الصورة ارى مناسبا توضيح ما ورد اعلاه من خلال المثال التالي: لنفرض ان عدد مقاعد البرلمان 35 مقعدا وتم التصويت من قبل 825 الف ناخب معنى هذا ان على الحزب السياسي الحصول على 26 الف صوت للفوز بمقعد برلماني واحد؛ ومن خلال تقسيم الاصوات الممنوحة للكيان السياسي على الرقم26 الف سيظهر لنا عدد المقاعد البرلمانية التي يحق للحزب السياسي شغلها. لكننا سنرى ايضا ان النتيجة في جميع الاحوال سوف لن تكون بدون فائض من الاصوات مما يستدعي الاخذ بطريقة الاكبر المتبقي مارة الذكر.
لقد وجدت طريقة هير كوتا والاكبر المتبقي تطبيقاتها في دول امريكا اللاتينية ومن هنا برزت الحاجة ؛ كما اعتقد؛ لتدريب موظفي المفوضية المستقلة للانتخابات في المكسيك.
ختاما ارى من الضروري الاشارة الى ان واحدة من مميزات التشريع الانتخابي العراقي هو اتاحته الفرصة لكل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمكونات الاساسية للمجتمع العراقي امكانية التمثيل في الجهاز التشريعي الانتقالي لبلدنا؛ واعتقد ان اشراك القوى التي لم تسهم في الانتخابات في كتابة الدستور العراقي الدائم سيكون اضافة الى كونه خطوة في طريق المصالحة الوطنية فرصة لمنح العقد الاجتماعي الدائم مشروعية اكثر وسيوفر الارضية الصلبة لبناء عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي موحد وسيفتح الطريق لشعوب المنطقة للسير على خطى العراق الذي كان الاول على مر العصور.