فاطمة خير: "أحلام البنات"، إسم رومانسي لمشروع إجتماعي تنموي، قد يبدو للوهلة الأولى أنه "حلم" تشترك فيه جميع الفتيات، لكنه في الواقع لا يعني سوى فئة محدودة منهن، تلك اللواتي يعشن في المناطق المنسية ..تلك المناطق المحرومة ماديا وإجتماعيا، وهو الحرمان الذي إنعكس على وضع قاطنيها، وخصوصا فتياتها اللواتي لم يعرفن من طعم الحياة سوى المرارة والألم.
فتيات يعشن في تلك المناطق التي إنتشرت في مصر بشكل عام، وفي القاهرة بشكل خاص ومكثف، منذ أكثر من عشرين عاما، لتصبح تدريجيا جزءا منها، وتحول سكانها إلى خيط إضافي يضاف إلى نسيج هذه المدينة الشديدة الازدحام .. خيط مختلف تماما عن بقية تركيبة هذا النسيج. فسكان هذه المناطق بالكاد يملكون عنوانا يمكن تدوينه على هوياتهم، هذا في حال إمتلكوا هوية، وعدا ذلك فليس أكثر من حرمان مقيم، وخدمات غائبة ينتظرون توفرها يوما ما.
في مجتمع محروم كهذا، تعيش الفتيات حياة قاسية وغريبة، حياة لا تمت إلى هذا العصر بصلة، فلا شهادات ميلاد، ولا بطاقات هوية، ولا وثائق زواج، وكأنهن لا وجود لهن!. لذا تجدهن بلا حقوق قانونية، فاقداتٍ للرعاية الصحية، تائهات عن مستقبل مجهول آت، غير قادرات على تحديد أو معرفة ما يردن. فبمجرد أن تتزوج إحداهن وتلد، تبدأ رحلة المعاناة، من تربية أطفالٍ، ومساعدة للزوج والأهل، لتحمل شيئا من ثقل المعيشة، منهمكة في الشؤون اليومية بتفاصيلها القاتلة، دون أن يكون لها نصيب من الراحة أو الالتفات إلى نفسها.
الطموح الوحيد لهؤلاء الفتيات هو "الزواج"، ربما من أجل الراحة والاستقرار ستكون هذه الزيجة، لكنها في ذات الوقت تنطوي على رغبة داخلية في مواصلة "الخدمة"، خدمة الزوج والأولاد هذه المرة، هذه المهمة التي ابتدأت من سني الطفولة المبكرة.
تشابه مخيف فرضته الظروف المتماثلة، جاعلة تفاصيل حياتهن مستنسخة .. قد يختلف الإسم، لكن المأساة واحدة، تظل تتكرر وبذات التفاصيل، حاملة معها حزنها ومرارتها، فما أن تبدأ فرحة الزواج، حتى يخطفها حزن الطلاق، ليغتالها من بعده كدح البحث عن لقمة العيش بغية إشباع أطفال جائعين.
وفي محاولة للتخفيف من هذه المشكلات وحلها من جذورها قامت جمعية "نهوض وتنمية المرأة" وتفاديا لخلق"حالات جديدة" برعاية الفتيات والأمهات المعيلات، من خلال محاولة الحاقهن بالتعليم النظامي ومحو أمية الأكبر سناً، مانحين لهن فرصة "الحلم"، وفسحة للحديث عما كرهنه في ماضيهن المؤلم، وما الذي يردنه في حاضرهن، والأهم هو: بماذا يحلمن في المستقبل؟.
الفتيات الصغيرات اندهشن في البداية عندما تم سؤالهن عن أحلامهن، فكان الرد أغرب من المتوقع:"يعنى إيه حلم".
الحلم المنسي، والمجهول، أصبح الآن وبفضل جهود العاملين في فصول "أحلام البنات" أوضح بكثير مما مضى، وتجاوز حدود الزواج، وإنجاب الأولاد، إلى الدراسة، والتعلم، وتحقيق الذات.
الفتيات بدورهن، رحن يعبرن عن أحلامهن من خلال تبادل الأحاديث، والرسم، والغناء، والخروج في رحلات ترفيهية، وممارسة أنشطة رياضية، وتكوين صداقات جديدة. وجميعها أنشطة لم تكن متاحة لهن طوال سنوات عمرهن القصيرة، سنوات مضت مملة بلا طعم ولا رائحة، سنواتٍ يحاولن أن ينسينها عبر خلق "حلم" مستقبلي ربما يمسح عنهن غبار ما مضى.




التعليقات